القاع والبقاع ، وتتقاطر على الحجر والمقام .
امرؤ واحد « 1 » في هذا المعترك المعتكر هو الذي خالف الإجماع ، عرف كيف يتحرّر من رِبْقة « 2 » الضغينة .
طفا بنفسه على سطح مستنقع النزاع الذي أوشك قومه أن يغرقوا فيه ، لاذ من قيظ الحمق بظلّ الحكمة ، وفَاءَ إلى رفق الأناة من هجير « 3 » الصراع .
وفي هدوءٍ وثقةٍ ، تقدّم يتوسّط بجسده الفارع الضامر « 4 » الفريقين ، وهو يمدّ أمامه ذراعين صليّين كرُمْحين ، كأنّما ليطعن بهما شيطان الخلاف المشبوب « 5 » .
أينبوع حكمةٍ ؟ أصيغ من محبّةٍ ؟ أم هو ذلك القدّيس الذي حارب التنّين ؟
* * * كان قوامه فارعاً ناحلًا معتدلًا كقناة ، وكان سمته خطوطاً من الغضون ، وندفاً « 6 » من المشيب ، على كتفيه كان يحمل أكواماً من الأعوام ، فقد علت به السنّ ، وبرّته « 7 » الأيام .
لكنّه صاح فيهم بزئير ليث « 8 » ريق الشباب ، غضّ الإهاب « 9 » :
- يا معشر قريش ! فسربلهم الصمت ، والتوت منهم إليه الرقاب .
- يا معشر قريش !
هامش
( 1 ) . والشخص هو أبو أُمية بن المغيرة ، وكان أسنّ قريش حينذاك . راجع تاريخ ابن الأثير 2 : 45 .
( 2 ) . الرِبْقة : العروة في الحبل ، وهنا كناية عن الكربة والشدّة التي وصلت إليها الضغينة والشحناء بين القوم .
( 3 ) . الهَجير : شدة الحرّ .
( 4 ) . الفارع : الطويل ، والضامر : النحيف .
( 5 ) . المشبوب : المتوقّد ، وهنا كناية عن النشاط والهيجان .
( 6 ) . النُدَف : القليل من الشيء ، كأنّه قُطنة بيضاء نُدفت .
( 7 ) . بَرَّته : أي أطاعته الأيام في جريانه معه ، وهنا كناية عن كبر السنّ وبلوغ العمر مبلغه .
( 8 ) . الليث : الأسد .
( 9 ) . الإهاب : الجلد ما لم يدبغ منه ، وهنا يريد البشرة