وعلى غرار هذا السلوك النبوي المستبصر الرشيد - الذي يضرب للناس مثلًا يبيّن لهم كيف ينبغي ألَّا يشقّوا على أنفسهم ولا على صغارهم وإن في أقدس قدسيات الدين - كان سلوك الرسول الأعظم في موقفٍ مثيل :
شوهد النبي مرّةً على منبر مسجده يخطب جمهور المسلمين في أُمور دينهم ودنياهم ، ويعلّمهم ممّا علّمه ربّه ، فإذا هو يلمح الحسن والحسين يقبلان عليه ، يمشيان ويعثران . . . وعلى الفور قطع الخطبة ، غلبه حنانه ، فلم يطق إلَّاأن ينزل إليهما ، ويرفعهما إليه .
فلمّا صارا بين يديه على المنبر ، وطابا نفساً بقربهما منه ، وطاب نفساً بأمنهما بين جناحيه ، قال للجموع : « صدق اللَّه
« أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ »
نظرت إلى هذين يمشيان ويعثران ، فلم أصبر حتّى قطعت حديثي ورفعتهما » « 1 » .
ثم وصل ما انقطع من خطابه .
* * * غير أنّ أبلغ الدروس التي شاء الرسول - امتثالًا لقول ربّه - أن يلقيه على الأسماع ، ثم يثبته في الأرواع ، فذلك الذي ظلّ طوال حياته ، وإنّه له شعار مختار ، لا يني يعيده ويكرّره على ملأ الناس ، قبيل مشرق كلّ نهار ، كأنّما كان يخشى عليه منهم غائلة النسيان ، فراح يحصّنهم من هذه الغائلة بموالاة التكرار !
فهل أفلحت الإعادة ؟ وهل ثبت الادّكار ؟
تذكر الأخبار « 2 » : كان عليه الصلاة والسلام يأتي باب فاطمة وعلي وحسن وحسين كلّ يومٍ ، عند صلاة الصبح ، حتّى يأخذ بعُضادتي الباب ، ويقول : « السلام عليكم ، أهل البيت » .
هامش
( 1 ) . رواه الترمذي في السنن 5 : 616 - 617 ح 3774 عن أبي بريدة .
( 2 ) . فاطمة الزهراء والفاطميون ، للعقّاد . ( المؤلّف ) .