للصغير خطواته القصار إذا طال التجوال .
فإذا بلغ المسجد وقام للصلاة ، وضعه برفقٍ إلى جواره .
فربّما كان اصطحابه إيّاه هنا وهناك ليألف مخالطة الناس ، وربّما لكي يعودّه الأُنس بفرائض اللَّه .
والسوق - كما هو معلوم - مكان عام ، والمسجد أيضاً مكان عام ، والحديث الجاهر في كليهما أحقّ بأن يتلبّس بصفات العموميات .
قيل : وسجد النبي مرّةً فأطال حتّى شقّ على المصلّين ، فلمّا فرغ وسلّم ، قال له بعضهم وهم يعجبون : يا رسول اللَّه ، إنّك سجدت سجدةً أطلتها ، حتّى ظنّنا أن قد حدث أمر ، أوأنّه يوحى إليك !
فأجاب : « كلّ ذلك لم يكن . . . ولكن ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله » « 1 » .
كلام موجز قصير ، واضح الدلالة ، بليغ التعبير ، يمثّل لفتةً أبويةً نبويةً لتكريم حفيد كريم .
لا جدال !
ومع ذلك فهو يجمع العمومية إلى الخصوصية ، لأنّ مناط الحكمة فيه أحقّ بأن يتعلّق بالحشد القائمين حينذاك بالمسجد ، ثم من وراءهم من جماعة المسلمين منه بأن يتعلّق فقط بغلام لم يجاوز من عمره عامين أو ثلاثة أعوام !
إنّه لدرس في التيسير ، حكيم من حكيم ، لعلّه أن ينفع كلّ المتشدّدين والمتزّمتين من الذين يغضّون الفهم عن اللباب ، ويتمسّكون بالقشور ، ثم يذهبون إلى أبعد الأقاصي غلوّاً في الدين !
* * *
هامش
( 1 ) . رواه النسائي في السنن 2 : 229 - 230 ، والحاكم في المستدرك 3 : 166 عن عبداللَّه بن شداد عن أبيه .