ولا عجب ، فقد نهل من منهل الرسول الأعظم الذي قال ربّه فيه :
« وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ »
« 1 »
.
وقال :
« وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ »
« 2 »
.
وقال هو في نفسه :
« أدّبني ربّي فأحسن تأديبي » « 3 » .
وأمّا الثانية فيشبّ صاحبها على التزام ما يكره ؛ لأنّ شبح الغلظة الجافية التي نشّأه عليها أبوه لا يفتأ بطارده مهما امتدّ به عمره .
عندئذٍ يعيش حياته موزعاً بين الرغبة والرهبة ، فإذا كيانه يهتزّ ، ونفسه تنشطر ، وإذا الرياء سننه ، والجبن ديدنه ، يقول بلسانه ما لا يعتمل بجنانه ، ثم يقترف في الخفاء ما يشاء .
* * * وطبيعي ، أنّ رسول اللَّه في رعايته لفتييه كان متأدّباً بأدب ربّه ، مهتدياً بهديه الكريم .
ومن ثم فإنّ كلّ ما بدر منه نحوهما ، في مجالات العناية والتوجيه ، هو أولى بأن يحسب في المُلهمات ، ذلك لأنّ تلكم البادرات لم يكن ليقصد بها التخصيص دون التعميم .
والدلالات قائمة .
فلقد كان عليه الصلاة والسلام يحبّ أن يتجوّل في أسواق المدينة ومعه أحد حفيديه ، حاملًا إيّاه على كفته ، وربّما مصاحباً له ، يماشيه على مهلٍ حسبما تسمح
هامش
( 1 ) . القلم : 4 .
( 2 ) . آل عمران : 159 .
( 3 ) . رواه العجلوني في كشف الخفاء 1 : 72 ، والشوكاني في الفوائد المجموعة : 327 ، وفي كنز العمّال 11 : 406 ح 31895 عن ابن السمعاني في أدب الإملاء عن ابن مسعود .