فإذا ما أخذتنا صبوة الحبّ ، والحياة مستبشرة ، إذن لدحينا « 1 » هذا البشر ومددناه ، لنغرق في ضيائه الوهّاج أيّة عتمة قد يباغتنا بها غدٌ خوّان باسر « 2 » ، وإذا ما أخذتنا ، والحياة منكدرة ، إذن لمحونا عبوسها بطموحنا إلى غدٍ مشرقٍ آمل .
وبين طرفي الأمن والخوف : الضياء والظلام ، تستقرّ بنا أو تتقلقل مشاعر ، وتهدأ أوتتبلبل خواطر .
ولَكَم شهدت فاطمة من هذه الصبوة الحُبّية ألواناً ، كان النبي يطالع بها الدنيا في كلّ لحظةٍ من مساء ونهار ! ولَكَم عجب الناس وهم يسمعون عمّا تشهد الأُم الصغيرة من صور حبّه لبنيها ، أو وهم يشهدون فإذا عجبُ بعضهم إكبار ، وإذا عجب آخرين إنكار !
ولا غروأن تتراوح انفعالات النفوس البشرية بالعواطف ، علوّاً وهبوطاً في مراقي التقدير .
في جميع أنماط سلوكه اليومي كانت تتبدّى آيات ذلك الحبّ الكبير ، في حركاته كما في سكناته ، في أفعاله وفي أقواله ، في ساعات جدّه الرصين ، وأُويقات لهوه الوقور .
حتّى وهو يبشّر برسالة السماء . . . وحتّى وهو بين يدي اللَّه .
* * * فلقد يشاهد وهو يدلّل أبناءه هؤلاء بالمداعبة الحلوة ، واللفظ المؤنس ، فلا يكون التدليل إلَّادرساً ينبغي أن يعيه الكبار قبل أن يكون لهواً يتسلّى به الصغار .
وهل قصارى ما نرتجيه للطفل إلَّاأن يشبّ على سوية واستقامة تتوافق فيه قدراته البدنية مع ملكاته العقلية ، وتتوازن فيه نزعات النفس مع إشراقات الروح ؟
لقد تراه عليه الصلاة والسلام يمسك بيدي الحسين ، ثم لا يزال يرقّصه ويستدرجه حتّى يبلغ بقدميه الصغيرتين صدر الجدّ المنتشي فرحاً وهو ينشد له :
هامش
( 1 ) . دحا : بسط .
( 2 ) . الباسر : العبوس .