لكنّها لم تعد تطيق ، وأسرعت بسرّها إلى الرسول ، قالت له : يا رسول اللَّه ، إنّي قد رأيت رؤيا .
وأمسكت هنيهة من إشفاق ، وصدرها يكاد ينفجر ، فلمّا رأت من الرسول إقباله عليها بكلّ سمعه ، استأنفت تقول : رأيتُ عضواً من أعضائك وقع في بيتي !
فما كان أشدّ عجبها إذ شهدته قد تهلّلت أساريره ، واستضاء بالبشر محيّاه ، وسمعته يقول : « خيراً رأيت ! تلد فاطمة غلاماً فترضعينه » « 1 » .
أفكذاك ؟ ألا ما أسعد الرؤيا ، وما أسعد التأويل !
وتاهت المرأة في دنياً من الفرح شتيتة الحدود والأبعاد . . . قد انفرج فمها عن ابتسام ، وتعلّق على شفتيها كلام .
لكنّها لمن تنبس « 2 » ولم تهمس . . . وماذا تقول وكلمات الدنيا كلّها لا تحسن الأداء عمّا يخامرها من شعور ؟
وغمر عالمها النفسي سنا « 3 » وهّاج ، لو أشرق على الناس جميعاً لا نبهرت به منهم أبصار ، وتكسّرت جفون .
وتدحرجت من عينيها دمعتان خاشعتان ، كأنّهما حبّنا مسبحة لؤلؤانية تسبّحان :
شكراً للَّه !
هامش
( 1 ) . رواه ابن ماجة 2 : 1293 ب 10 من كتاب تعبير الرؤيا ح 3923 ، وأحمد 6 : 339 ( مسند أم الفضل ) .
( 2 ) . لم ينبس : لم يحرّك شفتيه للكلام .
( 3 ) . سنا الشيء : إذا ارتفع ضؤوه .