من عجب أن سادة قريش علموا بهذا الذي حدث قبل أن يحدث ، ثم أبى عليهم الغرور أن يجتنبوه .
اقتحموه ! اندفعوا مع الصلف والحماقة فكان هذا المصير المحذور .
وتحقّقت عندئذٍ رؤيا عاتكة بنت عبد المطلب التي شاء « أبو جهل » زعيم القوم أن يعيرها أُذناً صمّاء ، ويلقاها بالسخرية والازدراء .
قيل : رأت عاتكة « 1 » ، قبيل بدر ، في منامها ما روّعها ، ملأ نفسها فزعاً ، وقلبها هلعاً أن يحيق بقريش مكروه لا تكاد تسلم من شرّه دار . . . فانطلقت مذعورة مع الصباح بحلمها المروّع إلى أخيها العباس .
قالت له : يا أخي ، رأيت الليلة رؤيا أفظعتني ، وإنّي أتخوّف أن يدخل منها على قومك شرّ .
فأقبل عليها بكلّ وعيه يستنبئها الخبر : وما أفزعك ؟
قالت : فاكتم عنّي أُحدّثك .
- أفعل .
- رأيت راكباً أقبل على بعيرٍ له حتّى وقف بالأبطح ، ثم صرخ بأعلى صوته : ألا انفروا يا آل غدر إلى مصارعكم ! فأرى الناس اجتمعوا إليه .
واضطربت منها الأنفاس كأنّما من لُهاثٍ « 2 » ملأ رئتيها بلفح « 3 » السموم وهي تركض صديانة « 4 » وقت الهجير ، عبر الصحراء ، من سرابٍ إلى سراب !
واستطردت تقول : ثم أخذ صخرةً فأرسلها ، فأقبلت تهوي ، حتّى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضّت ، فما بقي بيت من بيوت مكة ، ولا دار إلَّادخلتها منها فلقة « 5 » .
هامش
( 1 ) . عاتكة بنت عبد المطلب بن هاشم ، من عمّات النبي صلى الله عليه وآله ، كانت تجيد الشعر ، كانت يوم وقعة بدر بمكة ، قال ابن سعد : أسلمت بمكة وهاجرت إلى المدينة . ( طبقات ابن سعد 8 : 29 ) .
( 2 ) . اللهاث : التوجّع والاستغاثة .
( 3 ) . اللفح : الحرقة .
( 4 ) . الصديان : العطشان عطشاً شديداً .
( 5 ) . البداية والنهاية 3 : 256 - 257 .