كان حزنها نابغي الآلام ، منذ الصبا المبكّر اكتسته شوكاً ، مشته رمضاء ، لاكته مرّاً ، نشقته لفح لهيب .
وها هي الآن ، وقد خايلها الزمن ببسمة خافتة ، تعود فتسمعه عويلًا تشيّع به النائحات « رُقيّة » أُختها الحبيبة ، في رحلتها إلى مرقدها الأخير ، فإذا هو عندئذٍ ولولة تختلط بهتافات أهل المدينة ، ونواح يمتزج بتهليلهم وهم يحتفون بنصر « بدر » الكبير .
ففي نفس وقت التغنّي بالفلج على الأعداء ، كان قبر الفقيدة الغالية مفغور « 1 » الفم يتهيّأ لالتقام جثمانها الطاهر ، مفتوح الذراعين يهمّ أن يستقبلها بالأحصان !
فيا لبدر !
يا له من يومٍ في حياتها ، جبّار الحزن ، وهّاج الابتهاج ! إنّه يضمّ الضدّ إلى الضدّ ، والنقيض للنقيض .
عاشته فرحة وحسرة . . . بسمة وعبرة .
بحسّها الإيماني : كان تحوّلًا حاسماً في مسيرة الإسلام ، لوى عنق الأحداث ، فيه انشدخ « 2 » جبروت الأصنام ، تمرّغ أنف الشرك في الرغام « 3 » ، ذلّت قوة العتاة ، عزّ وهن المستضعفين ، ارتفعت راية التوحيد حتّى لتُرى - عبر الفراسخ والأميال - من موقع المسجد الحرام .
وعلى أرض المعركة اجتمع النصر والهزيمة ، التقى نشيج النعي بفرحة البشير ، تداخلت الأصوات والمرئيات ، فإذا ما يُشهَد مسموع ، وإذا ما يُسمَع مشهود .
في هذا الجانب المؤمن : بشاشة الوجوه ، تهليل وتكبير . . . في ذاك الخاسر ، هدير العويل ، أموات بغير أكفان !
هامش
( 1 ) . فغر فاهه : فتحه .
( 2 ) . انشدخ : انكسر .
( 3 ) . الرغام : الطين الأسود .