وتجهّم العباس ، داخله الشُؤْم ، ملكته الحيرة ، خنقه الضيق .
أفيكشف لقومه عن رؤيا عاتكة ، أم يحبسها وراء شفتيه وإن عقله ليكاد يحدّثه :
إن هي إلَّاأضغاث أحلام ؟
لكنّه بدا حليف قلق وبلبال ، أحسّ كأنّه شواء في سفود « 1 » يقلَّب على جمر الاضطراب ! ولم يستطع صبراً على الكتمان ، فانطلق يهمس بالرؤيا في ذهن هذا وذاك من رفاقه الأشراف . . . وبلغ النبأ أبا جهل ، فجاءه وهو في بعض أهله ، يسعى إليه سعي الحانق المغيظ ، قد احمرّ أنفه ، ونفر ودجه « 2 » ، وبرزت حدقتاه ثم صاح فيه وفي من حوله بكبر واستهزاء : يا بني عبدالمطّلب ! أما رضيتم أن يتنبأ رجالكم حتّى تتنبّأ نساؤكم ! فليته وعى ! إذن لما ركب خيلاءه الحمقاء ، لما مضى إلى ماء بدر ، لما تهاوت به والذين تابعوه الآجال فمزّقتهم السيوف ، وغالتهم الحتوف ، وتوطّأت لهم منازلهم هناك قبوراً غير ملحودة تحت مواقع الأقدام !
وعندما وقعت الواقعة ، وبلغ مكة الخبر ، جنّ جنون سادة قريش الذين أتخمهم الصلف « 3 » ، بعد إذ هاض « 4 » الكبر ، وذلّت الكبرياء ، وأقبل بعضهم على بعضٍ يتلاومون .
لكنّهم سارعوا إلى فداء أسرارهم ، وأمهروا حريّاتهم بكلّ ثمين ، وانطلقت البعوث من لدنهم إلى المدينة ، يبتاعون بالذهب ما أهدر الغرور .
* * * وقيل « 5 » : ضاعفوا الفدى أغلوا لحريّات أسراهم في المهور .
هامش
( 1 ) . السفود : الحديدة التي يُشوى عليها اللحم .
( 2 ) . الودج : عرق في العنق .
( 3 ) . الصَلَف : التمدّح بما ليس فيه ، والادّعاء فوق ذلك إعجاباً وتكبّراً .
( 4 ) . هاض : انكسر بعد الجبر .
( 5 ) . البداية والنهاية 3 : 312 ، الطبقات الكبرى 8 : 31 .