وبحسّها العاطفي : فإن بشرها عبوس ، استضاءة محيّاها دموع ، نظراتها جوفاء .
أقد انطفأت الشمس ، أم غرق القمر في المحاق ، أم حشا ناظريها سواد ؟
* * * غير أنّها - إذ التقت بزينب - تبدّلت هيئة بهيئة ، وإحساسها بإحساس ، تغيّرت مظهراً ودخيلة ، زايلتها الوحشة ، عاودها الأنس .
اللقاء البهيج رجع بمشاعرها القهقرى إلى حيث مراتع الذكريات . . . حيث العشّ الهادئ بجوار الكعبة الغرّاء ، حيث الدار التي أصبحت بعد أهلها خواء « 1 » وإن هم تركوا فيها بصمات ستتحدّث عنها الجدران ، ويعيها الزمان ما بقي زمان !
إلى عهد الطفولة الحلو الذي عاشته إشراقة بسمات ورنين ضحكات ، إلى البال الخلي ، إلى الأمن والطمأنينة وإشراقة الآمال .
فما أحبّه إلى نفسها من لقاء !
إنّه ليس ردّه بعجلة الحياة للوراء ، ليس وقفة على حافّة الجمود ، ليس عيشاً في زمن رثيث « 2 » مهجور .
ها هي مرة أخرى في خضرة العمر ، في نضرة العيش ، والدنيا فجر وندىً وزهر .
فإن يكن امرؤ يرى ذلك كخطوة إلى أمس للوراء ، أو يظنّ أنّ الحياة مزق وقطائع : الماضي مزقة ، والحاضر مزقة ، والمستقبل مزقة كلّها على انفصال لا على اتّصال ، فإنّ رأيه إذاً قد خاب ، لأنّ الحياة وحدة مكتملة تجمع ما غبر إلى ما حضر إلى ما سوف يكون . . . إنّها سلسلة من حلقات موصولة ، تفقد ذاتها بالانفصام ، استمرار واستطراق .
واجتماع الأُختين عندئذٍ على ساحة الادكار ، هو لقاء فوق أرض الحاضر ، يضمّ أجمل ما انطوى في أمس راحل ، وأعظم ما سينجاب عنه غد مأمل .
هامش
( 1 ) . خواء : خالية .
( 2 ) . الرثيث : المهجور ، المجروح .