تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في نور محمد فاطمه الزهراء — صفحة 436

مساهمون:

ص٤٣٦
وكان من بين المبعوثين : عمرو بن الربيع ، أوفدته زينب بنت محمد ، ليفتدي زوجها أبا العاص ، وتقدم الوافد إلى رسول اللَّه ، قال : بعثتني زينب في فداء زوجها فهاك ! ووضع ثمن حريّة الأسير بين يدي الرسول . أفهذه الفدية تناسب ما عليه أبو العاص من يسار ؟ ! إنّها صُرَّة صغيرة ، لا تكاد تثير الانتباه . . . إن نُظرت تضاءلت مظهراً : وإن قُوِّمت خسّت ثمناً ، وإن وُزنت خفّت ثقلًا . وتأمّلها النبي لحظات ، ثم حلّها ليرى ما تحتويه . أتراه حلّ عقدتها ليعقد جبينه ؟ ! على الأثر كسا الحزن محيّاه ، غامت عيناه ، بالألم نبضت قسماته ، فوق الأناسي والأشياء ، بعيداً بعيداً عن الموجودات ، عرج به شعوره في سماء ماضيه . فما لزفيره وشهيقه يستبقان ؟ لكأنّما مشى شهراً ، وجرى عشراً ، وقطع المراحل والمسافات وما هدأت له قدم ، ولا استراح جنب ، ولا استقرّ به مقام . وما لهاتين الدمعتين المتألّقتين على أهداب جفونه تثبتان ، فلا تنحدران على وجنتيه ولا ترقآن . في هذه اللحظة تجلّى في محمد الرسول محمد الإنسان ، المشاعر البشرية الرفيعة هي التي أخذت تصوّر خلجاته النفسية بكلّ الوضوح ، وتتحدّث في فيه ببيان بليغ لم تنفرج عنه شفتاه هو بالصمت أبلغ منه بالكلام . فلم تكن الفدية في الصُرَّة إلَّاقلادة لخديجة كانت أهدتها إلى ابنتها زينب وهي عروس تُزفّ إلى أبي العاص . كان فيها من ريح الغالية التي رقدت منذ سنين في ثرى الحجون طيب يعطّر الأجواء ، وكان لخشخشة حبّاتها في يده ، وهو يداعبها بأصابعه مثل رنّات ضحكات الشباب الذي غاب . فأيّ فديةٍ ثمينةٍ هذه في الفدى التي جاءت من مكّة لفكّ أسر النخبة من قومه الذين أخرجوه ؟ أيّ ثمنٍ لحريّة أبي العاص هو أغلى قيمةً من هذه القلادة التي تُثمَّن فلا يكافئها مال ؟
في نور محمد فاطمه الزهراء — صفحة 436 | شوقي محمد / عبد الفتاح عبد المقصود