رأى الترمّل يغتال صبا ابنته وما بلغت بعد إلَّامطلع الشباب ، وتفكّر الأب المحزون ، واهتدى إلى عرض فتاته على صديقه اللصيق أبي بكر الصديق ، فهو نِعْم الصاحب ، وهي نِعْم رفيقة الحياة ، لكنّ أبا بكر أمسك عن « نعم » و « لا » ، جعل ردّه السكوت ، وفُجع عمر في رأيه الذي ارتآه ، وضمّ جوانحه على أساه ، غير أنّه ظنّ في عثمان معيناً له على بلواه ، فمضى إليه يعرض عليه الأرملة الشابة زوجةً تندر مثيلاتها في الزوجات . . . فما كان الجواب ؟
قال عثمان : ما أُريد أن أتزوّج الآن !
فأيّة صدمة هذه التي تلقّها ابن الخطاب ! إنّها لتفطر القلب ، وتمزّق الكبرياء ، وتهوي بالأب الملتاع إلى قاعٍ من الحيرة والإحساس بالضياع ، حتّى لنراه لا يجد منجاةً من هذا الذي يعانيه إلَّاأن ينفض دخلية نفسه بين يدي رسول اللَّه .
ويبتسم الرسول ثم يقول مطمئناً صاحبه الأسيان : « يتزوّج حفصة من هو خير من عثمان ، ويتزوّج عثمان من هي خير من حفصة » « 1 » .
وحقّت نبوءة النبي ، أم هي فراسة ؟ أم عبّر عمّا عساه كان يدور في خلده ، ويزمع أن ينقله من تصوّر الخيال إلى واقع الحال ؟
ثم انقضت شهور ، فإذا ربّك يقضي قضاءه المكتوب : يتزوّج حفصة الرسول ، وتتزوّج عثمان أُم كلثوم .
تمّ هذا بعد أن كشف الغيب عمّن آثرته السماء بالزهراء .
هامش
( 1 ) . راجع الطبقات الكبرى لابن سعد 8 : 81 - 83 من طريق الواقدي ، ورواه البخاري 5 : 1968 كتاب النكاح ب 34 عرض الإنسان ابنته على أهل الخير ح 4830 عن ابن عمر .