يتولّاه دونه ، وعاجلوه : بل نكفيك يا رسول اللَّه .
لكنّه لم يرض أن يفضّلوه ، وقال : « إنّ اللَّه لا يحبّ أن يرى عبده متميّزاً على إخوانه » « 1 » .
ومضى وما شاء .
وكان دائماً ينهى المسلمين أن يقوموا له إجلالًا وتعظيماً ، إن أقبل عليهم أو أدبر عنهم ، وما أحسبهم كانوا يفعلون هذا إلَّاعن محبّةٍ تفوق كلّ تكريم .
ومع ذلك كان يردّهم عن فعلهم هذا ، ويقول : « لا تقوموا لي كما تقوم الأعاجم ، يعظّم بعضهم بعضاً » « 2 » .
ذلك لأنّ هذا الذي يأتونه ينافي السويّة بين الناس ، ويخالف خُلُق الإسلام ، وقد يمثّل مظهراً من مظاهر السلوك ينضح بالخضوع لغير ربّ الوجود .
وكان يمنعهم أيضاً أن يطروه ، فربّما أَنِسُوا إلى الإطراء فقالوا فيه إلى حدّ التقديس ، ثم أوغلوا في مساماته باللَّه كما فعلت طائفة من أتباع المسيح .
كان يقول لهم : « لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم ، إنّما أنا عبداللَّه ، فقالوا :
عبداللَّه ورسوله » « 3 » .
وهل من حاجةٍ به إلى إطراء عبد قد يجيء ثناؤه عليه بوحي موقفٍ عرضٍ ، أو عن خشيةٍ وهيبةٍ ، أو رياءٍ ومداجاة « 4 » ، وما هو بنافعه شيئاً لو قُدِّم له ، ولا هو بضارّه شيئاً لو حُبس عنه ؟
لا حاجة ! فكفاه ثناء اللَّه ، وثناء الملائكة المقرّبين ، وثناء صالح المؤمنين . . . كفاه قول مالك الخلق والأمر فيه :
« إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ
هامش
( 1 ) . المصدر السابق : 406 ب 165 إيمانه الرفيق .
( 2 ) . أخرجه أبو داود 4 : 358 كتاب الأدب باب في قيام الرجل للرجل ح 5230 ، والإمام أحمد 5 : 253 كلاهما عن أبي أُمامة .
( 3 ) . أخرجه أحمد 1 : 23 و 24 مسند عمر بن الخطاب ، والدارمي 2 : 320 كتاب الرقاق عن عمر أيضاً ولكن بلفظ « تطرى » .
( 4 ) . المداجاة : المداراة .