كتردّد نعيب غراب في بناء خراب ، أو نعيق بومة بين أنقاض أطلال « 1 » .
* * * وشهدت مكة محمداً والذين معه - وما مضت على بعثته غير سبعة أعوام - وهم يُجلَون أو يجليهم الطُغاة عن البلدة الحرام إلى شُعَب أبي طالب ، حيث الجدب والفقر ، ليقضوا من أعمارهم ثلاث سنوات حسوماً « 2 » ، دارهم فيها العزلة ، وحارسهم الحصار .
لسوف يعيشون الحرمان ، سِماطُهم طَوى « 3 » ، مائدتهم سَغَب « 4 » ، خبزهم لبّ الشجر والورق والجذور ، أدمهم الأدم وإهاب الحيوان ينقع في الماء حتّى يلين .
وكم سيعانون !
لكنّ الصبر كان دائماً معهم ، كان نِعْم الرفيق والعشير .
وما فعلته بهم قريش ما كان ليوهن عزائمهم الصلاب ، لم يصب نفوسهم بخدوش وإن أثخن أبدانهم بجروح ، لم يذقهم الندم ولا جرّعهم التخاذل ، فعصيٌّ عصيٌّ أن تسلّمهم العزلة للذلّة ، وعسيرٌ عسيرٌ أن يحملهم الجوع على الخنوع « 5 » ، ومحالٌ محالٌ أن يدفعهم الحرمان إلى الهوان .
هامش
( 1 ) . الأطلال : بقايا الآثار ، الخرائب .
( 2 ) . الحُسُوم : الشؤم ، يقال : أيام حسوم ، أي حاسمة عن أهلها الخير .
( 3 ) . السِماط : ما يُبسط ليوضع عليه الطعام ، والطَوى : الجوع .
( 4 ) . السَغَاب والسَغَب : الجوع .
( 5 ) . خَنَع له وإليه : خضع وذلّ .