أمّا أن تكتمل لامرئ حواسه حادّةً مشحوذةً ، ثم نراه لا يلمّ بما يقع في نطاقها من محسوسات ، فذاك هو التعطيل الإرادي لقدراته الحسّية ، أو المحال الذي لا يكون إلّاأن يشاء صاحب الحاسة - تظاهراً أو طواعية - أن يلزم نفسه إنكار الواقعي الحقيقي ، ويأخذها بتصديق الوهمي المحال .
وكذلك كان موقف أهل مكة من الرسول ، فلماذا هذا الإنكار ؟
* * * لقد « 1 » يكون للقوم عذر إذ ينكرون ما جاءهم على ألسنة بعض الرهبان والأحبار من أخبارٍ أعلنت عن نبوة محمد قبل أن يبعثه اللَّه ، لأنّها أخبار إنّما أتتهم من أطواء عقائد وأديان لا يؤمنون بها ، فهي إذاً حريّة منهم بالإغفال دون الاهتمام ، وبالإنكار دون الإقرار .
وهم قد يعذرون أيضاً حين تنبو بهم تكهّنات الكهّان التي تحدّثت متنبّئةً بظهور الدين الجديد وصفات نبيّه ، إذ لعلّها - في رأيهم - ضروب من ضغث « 2 » القول تنفّس عن هزّات نفسية ، أو مجرّد رجم بالغيب تحكمه الصدفة ولا تحكمه طبيعة الأُمور ، ومن ثَمَّ فتلكم التكهّنات خليقة بإخراجها من إطار الحقائق ، وإدخالها في نطاق المدّعيات ، وهي هكذا أولى بأن يفترض أنّها تخيب لا أن تصيب .
ثم لا تثريب لو أنّهم وضعوا في الحسبان أنّ هذه الأحاديث وتلك قد تناثرت آحاداً على منبسطٍ من المكانية فسيح ، ومدىً من الزمانية غير قصير ، فنقصتها القدرة على التماسك والالتحام ، كمثل قطر الرذاذ الخفيف ما أن تسقط القطرة منه حتّى تتبدّد في الهواء قبل أن تبلغ الأرض أو تتحوّل إلى بخار .
ثم هي لم تقابل إلَّافرادى من الناس قليلين جدّ قليلين ، واحداً هنا وواحداً هناك ، فلم تقرّ - إن هي قرّت - إلَّافي أخلاد أفراد متفرّقين ، فعدمت قوة التجمّع
هامش
( 1 ) . كذا في النسخة المطبوعة .
( 2 ) . ضَغَثَ الحديث : خلطه .