ابنته في أن يدفن فيما ورثته من أرض الحجرة - إذا كان للزوجة نصيب في الأرض وكان نصيب عائشة يسع ذلك - ولو كان يرى أن تركة النبي ( صلى الله عليه وآله ) صدقة مشتركة بين المسلمين عامة للزمه الاستئذان منهم ، وهب أن البالغين أجازوا ذلك فكيف بالأطفال والقاصرين ممن كانوا في ذلك الحين . . ؟ " « 1 » .
ثم تساءل بروح وجدانية وفقهية عن السبب الذي جعل " الخليفة لم ينتزع من نساء النبي بيوتهن ومساكنهن التي كنّ يسكنّ فيها في حياة رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله ) فما عساه يكون سبب التفريق الذي أنتج انتزاع فدك من الزهراء وتخصيص حاصلاتها للمصالح العامة وإبقاء بيوت نساء النبي ( صلى الله عليه وآله ) لهن يتصرفن فيها كما يتصرف المالك في ماله ؟ حتى تُستأذن عائشة في الدفن في حجرتها أكان الحكم بعدم التوريث مختصّاً ببضعة النبي ( صلى الله عليه وآله ) أو إن بيوت الزوجات كانت نحلة لهن ؟ ! فلنا أن نستفهم عما أثبت ذلك عند الخليفة ولم تقم بينة عليه ولا ادعته واحدة منهن . . " « 2 » .
ثم ناقش صيغ حديث " إنا معاشر الأنبياء لا نورث " هل تدل على أن تركة النبي حقّاً لا تورث ، أو إن له مداليل أخرى قدت دل عليه نقاط التخلخل والضعف فيه وتجعله غير قادر على المواجهة العلمية المعروفة لدى الفقهاء عند معالجاتهم للنصوص الروائية ؟
أقول : ليس هدفنا عرض ما جاء في كتاب فدك في التاريخ بل الهدف هو أسلوب معالجة مشكلة من أهم المشاكل التاريخية والعقائدية علاجاً فقهياً ومنطقياً ، محافظاً في ذلك على المستوى الأخلاقي الرفيع والأمانة التاريخية والابتعاد عن كل ما من شأنه إثارة الأحقاد والعداوات « 3 » .
ولا أعتقد أن أحداً - سنياً كان أم شيعياً - لا يستسيغ هذا اللون من النقاش الموضوعي والمعالجة العلمية ، فالحكمة ضالة المؤمن ينشدها أينما وجدت ، والموضوعية هي المقدّمة الضرورية التي من دونها تفقد حركة البحث عن الحكمة هديها ، وهي في منهج الامام الشهيد الصدر يجب أن تكون مقرونة بالخُلق الاسلامي الرفيع ، ففدك بما ترمز اليه ، والموقف منها سواء كان إيجابياً أم
هامش
( 1 ) - فدك في التاريخ / 114 .
( 2 ) - فدك في التاريخ / 116 - 124 .
( 3 ) - صحيح أن الشهيد الصدر قدم في كتابه هذا أفضل مَثَل على الروح العلمية والموضوعية لمعالجة مسألة حسّاسة طالما استغلت لإثارة النعرات الطائفية بين السنة والشيعة . غير أنه ارتفع إلى أعظم من هذا المستوى حين لم يتطرق في كل دراساته التالية إلى مسألة خلافية بين المسلمين ، بل ركز على مشتركات الأمة الاسلامية ، وماتواجهه من تحديات في مجال العقيدة والمجتمع والاقتصاد ونظام الحكم . وارتفع أكثر في خطابه الأخير إلى الشعب العراقي كما بيّن الباحث . ولذلك لا نستبعد ما رواه بعض تلاميذه أنه أوصى بعدم إعادة طباعة كتاب : فدك في التاريخ . رغم عظمة أسلوب الكتاب في المعالجة ( التحرير ) .