وعلى هذا الأساس - وهو الجزء الأكبر من العلة - بدأت الحواجز النفسية تتصاعد وتتعمق مدعومة بجهود الحكّام الذين عمّقوها إلى أبعد الحدود ، وبدأت تنخر في صميم الكيان الاسلامي العام .
وما من شك أن علاج هذه القضية يحتاج إلى زمن طويل وجهود مكثّفة من الطرفين ، إلا أن هذا لا يمنع من التوافق على احترام كلا الطرفين لعقيدة الآخر وآرائه السياسية وغيرها والوصول ولو إلى الحد الأدنى من الوفاق والتوحّد . وفي هذا الضوء أعتقد أن الامام الشهيد الصدر سار بهذا الاتجاه ، فلم يجعل الاختلافات المذهبية مبرراً لعدم التوحّد ، فنراه قد اعتبر نفسه وكيانه ملكاً للمسلم السني كما هو للمسلم الشيعي فيقول : " وإني منذ عرفت وجودي ومسؤوليتي في هذه الأمة بذلت هذا الوجود من أجل الشيعي والسني على السواء . . " .
ويقول : " فأنا معك يا أخي وولدي السني بقدر ما أنا معك يا أخي وولدي الشيعي " .
ومما لاشك فيه أن لهذا التخاطب الأبوي والاخوي أثراً إيجابياً فعّالا في تمزيق الحاجز النفسي وتبديد قوته ، فما أجمل أن تجد الأمة - بمختلف مذاهبها - قائداً شيعياً بل علماً من اعلامها يخاطب الجميع بروح الأبوة والاخوة فيقول : أنا لكم جميعاً .
وذكر ثانياً أن الخلاف العقائدي والسياسي في إطار الدين لا يجوز أن يحول دون التعاون والتكاتف في سبيل خدمة الاسلام والدفاع عنه . واستشهد لذلك بمثالين :
الأول ما كان في صدر الاسلام حيث قال : " حمل علي السيف للدفاع عنه ، إذ حارب جندياً في حروب الردة تحت لواء الخليفة الأول أبي بكر . . . " .
وذكر مثالًا آخر من التاريخ الحديث وذلك حينما تعرّض الحكم العثماني لضربات الإنجليز فوقف علماء الشيعة إلى جانب الحكم العثماني وأفتوا بوجوب الدفاع عنه لأنه رافع لراية الاسلام فقال : " إن الحكم السني الذي كان يحمل راية الاسلام قد أفتى علماء الشيعة قبل نصف قرن بوجوب الجهاد من أجله وخرج مئات الآلاف من الشيعة وبذلوا دمعهم رخيصاً من أجل الحفاظ على راية الاسلام . . . " لماذا ؟ لان الهدف " أن نحارب عن راية الاسلام وتحت راية الاسلام مهما كان لونها المذهبي " .
والموضوعية تقتضي أن نعترف أن هذا الخطاب المفتوح والصريح لا يحل مشكلة الخلافات المذهبية بين المسلمين ، ولكنه يشكل البوابة الكبيرة التي يمكن الدخول من خلالها والقضاء على المشكلة النفسية وفتح آفاق الحوار الموضوعي للاتفاق ولو على الحد الأدنى من الوفاق والائتلاف .
ثم بيّن ( رضوان اللّه عليه ) أن من أهم أسباب تعميق الخلافات وتهويلها هو الاتجاهات السياسية والقادة الذين تحكمهم مصالحهم الخاصة فقال : " إن الطاغوت وأولياءه يحاولون أن يوحوا إلى أبنائنا البررة من السنة أن المسألة مسألة شيعة وسنة ليفصلوا السنة عن معركتهم
رجالات التقريب — صفحة 405
مساهمون: محمد مهدي التسخيري
ص٤٠٥