الرأسمالية . . إلى الشمولية الشيوعية . . إلى القومية الشوفينية ، والى الأخلاط التي اصطنعت المزج بين هذه التجليات - فإننا مدعوون إلى تأمل هذا الذي بشرت به مدرسة الإحياء الإسلامي - قبل هذه التجارب الفاشلة - من « أن جراثيم الدين متأصلة في النفوس . . والقلوب مطمئنة إليه ، وفي زواياها نور خفي من محبته ، فلا يحتاج القائم بإحياء الأمة إلا إلى نفخة واحدة يسري نفسها في جميع الأرواح لأقرب وقت . فإذا قاموا ، وجعلوا أصول دينهم الحقة نصب أعينهم ، فلا يعجزهم أن يبلغوا في سيرهم منتهى الكمال الإنساني . . »
* بل لقد بلغ الاعتقاد - عند مدرسة الإحياء والتجديد - بأن التنوير الإسلامي هو السبيل المفرد والطريق الأوحد لنهوض هذه الأُمة . . بلغ هذا الاعتقاد حد اليقين . . فقال الأفغاني : » . . ومن طلب إصلاح أمة شأنها ما ذكرنا بوسيلة سوى هذه ، فقد ركب بها شططا ، وجعل النهاية بداية ، وانعكست التربية ، وانعكس فيها نظام الوجود ، فينعكس عليه القصد ، ولا يزيد الأُمة إلّا نحسا ولا يكسبها إلّا تعسا . . . » !
- فهل كان الرجل يقرأ الحال الذي وصلنا إليه . . بعد التجارب الفاشلة التي انزلقنا إليها ؟ ! - . .
إنه يواصل حديثه - متعجبا من هؤلاء الذين سلكوا كل الطرق ، سوى طريق التنوير الإسلامي ، والنهوض بالإسلام - فيقول : » . . ومن يعجب من قولي : - إن الأصول الدينية الحقة تنشيء للأمم قوة الاتحاد ، وائتلاف الشمل ، وتفضيل الشرف على لذة الحياة ، وتبعثها على اقتناء الفضائل ، وتوسيع دائرة المعارف ، وتنتهي بها إلى أقصى غاية في المدينة - فإن عجبي من عجبه أشد ! . . ودونك تاريخ الأُمة العربية . . وما كانت عليه قبل الإسلام من الهمجية . . حتّى جاءها الدين فوحدها ، وقواها ، ونور عقلها ، وقوم أخلاقها ، وسدد أحكامها ، فسادت على العالم ! . . » « 1 » .
فهو طريق التنوير الإسلامي . . السبيل الطبيعي - والوحيد - لنهوض هذه الأُمة . . ولا طريق سواه . .
وإذا كان لنا - في ختام هذه الدراسة - أن نعقد المقارنة بين « التنوير الإسلامي » - الذي دعا إليه جمال الدين الأفغاني وأعلام الإحياء والتجديد بالإسلام - وبين « التنوير الغربي » - الوضعي . . والمادي . . والعلماني - الذي قامت على قواعده النهضة الغربية الحديثة . . وبشر به في بلادنا المتغربون من مثقفينا - فيكفي أن نستعيد ما سبقت إشارتنا إليه ، من أن مقومات « التنوير الإسلامي » هي :
هامش
( 1 ) - المصدر السابق : ص 197 - 199 . .