نعم ان الحرية الشرعية عطية الرحمن وتجل من تجليات الخالق الرحمن الرحيم ، وهي خاصة من خصائص الإيمان .
وإذا قيل :
لم تهتم بالشورى إلى هذا الحد ، وكيف يمكن أن تتقدم البشرية عامة وآسيا والاسلام بوجه خاص بتلك الشورى ؟ فالجواب :
فكما أوضحت رسالة « الاخلاص » وهي اللمعة الحادية والعشرون : ان الشورى الحق توّلد الاخلاص والتساند ، إذ إن ثلاث ألفات هكذا ( 111 ) تصبح مائة واحدى عشرة ، فإنه بالاخلاص والتساند الحقيقي يستطيع ثلاثة اشخاص ان يفيدوا أمتهم فائدة مائة شخص . ويخبرنا التاريخ بحوادث كثيرة أن عشرة رجال يمكنهم أن يقوموا بما يقوم به ألف شخص بالاخلاص والتساند الحقيقي والشورى فيما بينهم .
فما دامت احتياجات البشر لاحد لها وأعداؤه دون حصر ، وقوته ورأس ماله جزئيان محدودان جداً . ولا سيما بعد ازدياد المخربين والمتوحشين نتيجة تفشي الالحاد . . فلابد أن يكون أمام أولئك الأعداء غير المحدودين والحاجات التي لا تحصر نقطة استناد تنبع من الايمان ، فكما تستند حياته الشخصية إلى تلك النقطة فان حياته الاجتماعية ايضاً انما تستطيع ان تدوم وتقاوم بالشورى الشرعية النابعة من حقائق الايمان ، فتوقف أولئك الأعداء الشرسين عند حدهم وتلبي تلك الاحتياجات » .
وعندما احتل الانكليز العاصمة استانبول ، أشاعوا ان الخلافة منسجمة مع سياستهم . الا ان بديع الزمان سعيد النورسي تصدى لهذه الإشاعة وبين الأسس التي تنبني عليها الخلافة ، فقال :
« ان ميل الشخص نفسه وأمره الخاص وفكره الذاتي ، مغاير تماماً للميل الحاصل من الشخصية المعنوية لأمر أمين الأمة المتقلد أمانة « الإمامة والخلافة » فهذه الإرادة تنبثق من « عقل » وتستند إلى « قوة » وتتوجه إلى « مصلحة » العالم الاسلامي .
أما عقله فهو شورى الأمة ، وليس شبهتك ووسوستك ! وقوته هو جيشه المسلح وأمته الحرة ، وليس سلاحك وحرابك . والمصلحة انما تتوجه من المحيط الاسلامي إلى المركز ، فترجح الفائدة العظمى للاسلام والمسلمين على المصالح الشخصية . والا لو انعكس الامر ورجحت عند التعارض مصلحة القربى على المصلحة العظمى ، كترجيح سرير السلطنة على استانبول وهي على الأناضول وهو على الدولة وضحي بالعالم الاسلامي لأجل الدولة فهذا الترجيح لا يطاع . وهو امر غير وارد أصلا . فالسلطان المتدين ، وحيد الدين لو أصبح أفجر انسان ، فلا يمكنه ان يقوم بهذا الأمر بإرادته لسبب واحد هو أنه يحمل اسم الخليفة ، فان قام به فلا يقوم الا مكرهاً . فطاعته عند ذاك بترك طاعته » .
رجالات التقريب — صفحة 293
مساهمون: محمد مهدي التسخيري
ص٢٩٣