المساحات المشتركة . ولقد كان ( رحمه الله ) يتعاطف معهم وربما بكى لحالهم « 1 » .
ولن ننسى بهذه المناسبة موقفه حينما عارض قانون الطوائف الفرنسي ، وقال مخاطباً المفوضية الفرنسية : ( فأنا بصفتي الرئيس الروحي للطائفة الإسلامية الشيعية في سوريا ولبنان أرجو فخامتكم ان تحيطوا علماً باستنكار الشيعيين عامة لهذا القرار وهذه التفرقة بين المسلمين ) . « 2 »
إننا نشهد اليوم تراجعاً كبيراً لهؤلاء اليائسين وانفتاحاً كبيراً من قبل علماء الأمة ومفكريها ، بل وجماهيرها على التقريب . وربما كان لدعوات الحوار العالمي بين الحضارات - وبالأولى بين المسلمين - وللهجمة الشرسة لأعداء الأمة تحت عناوين الارهاب والعولمة وحقوق الانسان وغيرها الأثر المهم في هذا المجال .
وقبل كل شيء يجب أن نوضح إن الدعوة للتقريب والوحدة لا تعني مطلقاً العمل على تذويب المذاهب . كيف وكلها تراث اجتهادي رائع يمثل ثراءً للفكر الإسلامي ، واعمالًا للعقل المسلم عبر القرون لعنصر الاجتهاد في نصوص الشريعة الغراء ، وبالتالي يشكل مساحة واسعة تستفيد منها الأمة لحل مشاكلها الحضارية باستمرار .
إن التقريب في رأينا يعني :
1 - التمسك بالمبادئ والأصول الإسلامية المسلّم بها ، والتعاون في المساحات المشتركة بين المذاهب .
2 - السعي الحثيث لكشف هذه الميادين المتفق عليها ، وتوسيعها .
3 - رجوع كل فرد إلى مذهبه الخاص في الأمور التي تختلف فيها المذاهب - وما أقلها - ويعذر الواحد منّا الآخر فيما نختلف فيه من اجتهادات .
4 - تنمية الآداب والأخلاق التقريبية من قبيل : التآلف وحسن الظن والرقي بمستوى التفاهم والاحساس بالأخوة والتكافل .
وهنا يقول المرحوم العلّامة الأمين ، وهو يشرح هدفه من دعوته التقريبية : ( ليس مقصودنا من هذه المقالة أن نجعل أهل السنة شيعةً أو العكس ، أو أن يتبرأ كل من الطرفين من آرائه ومعتقداته ) . ويضيف ( قد يساء فهم المقصود من فكرة التقارب ، فيقال : إنها تدعو إلى ترك البحث حول أحقية هذا المذهب أو ذاك ، وذلك لأننا لا نستطيع أن نحافظ على الأخوة إلا بترك هذا النمط من البحوث ، الا أن هذا غفلة عن أن هذه الدعوة لا تقبل ما دام كل طرف ملتزماً بمذهبه ، ويراه هو الحق ولا يمكن أن يتخلى عن اعتقاده من دون دليل أو برهان . إن الذي يجب أن يدعى
هامش
( 1 ) من حديث العلامة السيد محمد علي الأمين بمناسبة رثاء المرحوم السيد حسن الأمين .
( 2 ) أعيان الشيعة ، م 10 ص 370 .