تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رجالات التقريب — صفحة 179

مساهمون:

ص١٧٩
من هنا أخذ علم الأصول بالانفصال تدريجاً عن علم الفقه بعد توسع العمل الفقهي ، وذلك بعد زمن من ولادة البذور الأولى للتفكير الأصولي ، كما أخذ هذا العمل بالأنفصال عن علم أصول الدين ( علم الكلام ) الذي ترك بعض البصمات على التفكير الأصولي حتى بعد انفصاله . بعد هذه المرحلة دخل علم الأصول دور التصنيف والتأليف ، كما اتضح سابقاً ، حيث تخلّص من حالته البسيطة الأولية ، ونال قسطاً من النضوج والكمال فألفَّ المفيد كتاباً في الأصول وآصل فيه الخط الفكري الذي سار عليه ابن أبي عقيل ، وابن الجنيد قبله ، ونقدهما في جملة من آرائه « 1 » . وبالرغم من أنّ المفيد كان تلميذاً لهذين الفقيهين كما قال الطوسي عنه « هو من أجلّه تلاميذ ابن الجنيد ، وقد استفاد منه كثيراً » « 2 » ؛ إلّا أنّه كتبَ في ردّ أستاذه ابن الجنيد ( ت / 381 ه - ) كتباً عديدة منها المسائل الصاغانية ، والمسائل السروية ، ورسالتان الأولى في ردّ المسائل المصرية باسم « نقض رسالة الجنيدي إلى أهل مصر » ، والأخرى باسم « النقض على ابن الجنيد في اجتهاد الرأي » ، وقد حارب طريقته في الاستدلال ، وخطأه في موارد عديدة « 3 » . وقد اثرَّ هذا المسلك على تلاميذ المفيد ، فاعتمدوا آراء أستاذهم في ردّ ابن الجنيد ( ع ) « 4 » علماً أنّ المفيد كان صريحاً ، وشديد اللهجة في ردّ تلك الأفكار التي نشأت عن طريقة أهل الأخبار حتى ظنَّ البعض أنّ ذلك منه ليس لصراحة لهجته ، لكنَّه كان يرى أن لا طريق إلى إصلاح العلم إلّا بالشدة « 5 » . وقد توّلى تلامذة المفيد تطوير علم الأصول حيث انبرى علم الهدى الشريف المرتضى ( ت / 436 ه - ) ، ومحمد بن الحسن الطوسي ( ت / 460 ه - ) إلى نقل هذا العلم إلى دائرة أوسع مما كان له . فقد وضع المرتضى كتاباً يعد من أهم الكتب ، وأقدمها في علم الأصول سمّاه « الذريعة إلى أصول الشريعة » ، كما خلفَّ الطوسي كتاب « عدة الأصول » الذي نقل فيه آراء أستاذه المرتضى ، وأضاف بعض الإضافات العلمية ذات النضوج العلمي .
هامش
( 1 ) - المعالم الجديدة ، ص 55 . ( 2 ) - الطوسي ، الفهرست ، ص 134 . ( 3 ) - مقدمة جواد الشهرستاني على كتاب « جامع المقاصد في شرح القواعد » للمحقق الكركي ج 1 ، ( قم ، 1988 م ) ، ص 15 . ( 4 ) - محمد بن أحمد بن الجنيد : أبو علي الكاتب الإسكافي الفقيه المصنف المتوفى سنة 381 ه - ، والمنقولة فتاواه في كتب الفقه من قدماء فقهاء الأمامية ، ويُعبر عنه بابن الجنيد غالباً ، وبالأسكافي ، ويُعبّر عنه مع ابن أبي عقيل الحسن ابن علي ب - ( القديمين ) . وكتابه « الأحمدي » كان موجوداً في عصر العلامة الحلّي . ( 5 ) - مقدمة جامع المقاصد ، ج 1 ، ص 22 .