2 - عنصر الحركة التاريخية .
ويكتب السيد جمال الدين : إنّ للتاريخ علم مختص به ، فهو أعلى من الروايات التاريخية التي بحثها علماء كل شعب . وهو علم يبحث في مسيرة الشعوب وتحولها ، وكيف تطورت وكيف تدهورت ، وما هي طبيعة الاحداث الكبيرة وخصائصها ، وما هي العوامل الدخيلة في التغيير والتبديل في عادات واخلاق وأفكار شعب من الشعوب ، ولا ينحصر التغيير في العادات والاخلاق بل وحتى في الاحساس الداخلي ووجدان الشعوب ، وما هو تأثير هذا التغيير والتبديل في ظهور الشعوب وتكوين الحكومات أو القضاء عليها ؟
فهذا الفرع العلمي الذي هو من أهم الفروع الأدبية وأحكمها ، وهو بحث ودراسة للايمان بالمصير والقضاء والقدر والإذعان بأنّ جميع القوى تكون بيد مدبر الكائنات وخالق الكون ، فلو كان الانسان بمفرده يتحكم في المصير لما كان قط أن ينحدر الرفيع إلى الانحطاط ، ولم يضعف الانسان القوي ، ولا يقضى على العظمة ، ولا يتغير سلطان « 1 »
ويواصل السيد مقاله :
الاعتقاد بالقضاء والقدر إذا كان توجهاً نحو الجبر ( ونفسره بالفاناليسية ) هو عنصر للجرأة والشجاعة ، ويوجد في الفرد وفي الشعب التهور والشجاعة ، ويكون سبباً للتوجه نحو ساحة الاحداث الكبيرة ، وتغدو حتى السباع المفترسة تخشاه . . . هذا الاعتقاد يحثّ الافراد والقلوب بالثبات والاستقامة وتحمّل الصعوبات ، والنهوض لمحاربة المخاوف ، والتحلّي من جانب آخر بالجود والسخاء والايثار والفداء والشهامة . لكن هذه التضحيات تتحقّق وتتيسّر فقط في سبيل الحق والمعتقد .
إنّ من يؤمن بتقيد الأجل والرزق والمعاش ، يتكفّله الله عز وجل والأعمال تكون بيد الله القدير الذي يتولّى تدبير العالم فإنّه لا يخشى بعد ذلك الموت ، ويحارب ويدافع في سبيل الحقّ واعلاء كلمة الأمة وأصالة الشعب ، ويعمل بمسؤولياته ، فكيف يخشى الفقر والعوز
هامش
( 1 ) - السيد جمال الدين ، العروة الوثقى ، ص : 143 ، مكتبة الشروق الدولية القاهرة .