وعبد الرحمن الكواكبي السوري ، ومحمد اقبال الباكستاني .
فقد رأيت أنهم جميعاً قد نادوا « غفاة البشر » - كما يقول عمر الخيام في رباعياته - وقادوا حركة التحرير والتنوير اللازم لتحقيق الآلية وتثبيت الأصالة . وكان هدفهم ايقاظ الوعي الانساني في النفوس ، وتنبيه الناس إلى الأخطار المحدقة بهم في الداخل والخارج ، ورأيت أنّ المبادئ التي دعا إليها كلّ واحد من هؤلاء المفكرين هي نفسها المبادئ الضرورية لقيام وعي للانسان بما هوانسان : كرامة الانسان ، ومثّلها الأفغاني ، وتنوير الأذهان ويمثّلها محمد عبده ، وصيحة الحرية ويمثّلها الكواكبي ، وفلسفة الانية ويمثّلها محمد اقبال .
ورأيت كذلك أنّ هؤلاء الأعلام جميعاً يشتركون فيما بينهم في سمات واضحة ، جعلتهم على اختلافهم في الزمان والمكان ينتمون إلى سلالة روحية واحدة :
السمة الأولى : أنّهم مفكرون « جوانيون » على الأصالة : النظر والعمل عندهم متصلان أوثق اتصال ، وهم جميعاً متفقون على أنّ « الدين في أعلى صورة ، ليس أحكاماً جامدة ، ولا كهنوتية ولا أذكاراً ، وانّما ييسر بالدين تهيئة الانسان المعاصر لحمل العبء الثقيل الذي يحمله إياه تقدم العلوم والتقنية في عصرنا . والدين الصحيح يرده إلى الايمان والثقة اللذين ييسران له اكتساب انية في هذه الدنيا ، والاحتفاظ بها في الآخرة » .
والسمة الثانية : هي أنّهم جميعاً ، بعد نجاح دعوتهم لايقاظ الوعي الانساني ، أصبحوا في بلادهم من رواد الوعي القومي ، والواقع أنّ الدعوة إلى الوعي الانساني لابد أن تسبق الدعوة إلى الوعي القومي خلافا لما يتوهم بعض المتوهمين : فانّك لا تستطيع أن تحرك فرداً من الافراد إلى معنى أو عمل ينفع قومه ، ما لم تحرك فيه إنسانيته أولًا . ولا ريب أنّ من لوازم الانسانية الايثار والغيرة ، والعمل من أجل المجموع ، والتحرر من أسر الأنانية ، وكل دعوة لا تعتمد على دعوة انسانية يكون نصيبها الفناء . فبالوعي الانساني ترسخ في النفوس القيم الروحية والمثل العليا والمعاني الجميلة ، وبه يشعر الانسان - كما يقول الكواكبي - بأنّ « الحرية أفضل من الحياة وأكرم ، وان الشرف أعزّ من المنصب والمال » .
جمال الدين الحسيني ( داعية التقريب والتجديد الإسلامي ) — صفحة 240
مساهمون: السيد هادي الخسروشاهي
ص٢٤٠