المجتمع فانّها لا تدرك أنّها تقوم بتهميش قسم ولونسبي من هذا المجتمع وتضعه في حالة عدم الاندماج . والافغاني الذي كان مدركاً أنّ الخصم الأساسي لاوروبا الرأسمالية هو الإسلام ليس فقط كجماعة تستكمل جدالًا دينياً مع المسيحية منذ زمن قديم ، وتشكل تهديداً دائماً له ، بل كوجود سياسي متحقّق لهذه الجماعة ، حيث استطاع التسامح ، وهوفضيلة عميقة في الوعي الاسلامي ، أن يستبقي صورة متعرجة ولكن ثابتة عدداً لا بأس به من الأقليات . إذن ينبغي التعامل مع المشكلة بصورة مزدوجة ، فمن جهة تثبيت الإطار السياسي - الحقوقي للأمة ، حيث تستطيع الأقليات أن تجد لغة مشتركة انطلاقاً من خصوصيتها ، في إطار المشكلات العامة والرئيسية للأمة ، الجماعة الاسلامية ، من جهة ثانية ، هي الرافعة التاريخية للأمة . إنّ تشوش العلاقة بين المستويين والذي ساهم فيه بدور كبير التغلغل الأجنبي الذي أدخل قسماً من الأقليات في زبانته ، ينبغي أن لا يعمم بصورة ساذجة ومتسرعة هذه الوضعية ، لقد سبق وأشرنا إلى أنّ الأقباط ، الأرثوذكس بصورة خاصة ، بقيادة هيئاتهم الدينية غالبها وقفوا مع الأغلبية المسلمة في اللحظات التاريخية الحاسمة .
وحين يعرّف الأفغاني جريدته ، يوضّح مسألة هامة : « لا يظنّ أحد من الناس أن جريدتنا هذه بتخصيصها المسلمين بالذكر أحياناً ، ومدافعتها عن حقوقهم ، تقصد الشقاق بينهم وبين من يجاورهم في أوطانهم ، ويتفق معهم في مصالح بلادهم ويشاركهم في المنافع من أجيال طويلة ، فليس هذا من شأننا ، ولا مما نميل إليه ، ولا يبيحه ديننا ولا تسمح به شريعتنا ، ولكن الغرض تحذير الشرقيين عموماً والمسلمين خصوصاً من تطاول الأجانب عليهم ، وإفساد في بلادهم ، وقد نخصّ المسلمين بالخطاب لأنّهم العنصر الغالب في الأقطار التي غدر بها الاجنبيون ، وأذلوا أهلهم أجمعين ، واستأثروا بجميع خيراتها » .
تقييم عام لأثر الأفغاني
يمكننا أن نلخص مشروع الأفغاني انطلاقاً من حديثه للشيخ عبد القادر المغربي ، الذي ينقله الشيخ رشيد رضا ، حين يشير الشيخ المغربي إلى تمدّن الآستانة وتطورها عمّا كانت عليه منذ ثلاثين سنة ، يجيب الأفغاني : « إذا لم يبن تقدمنا وتمدننا على قواعد ديننا