ومشهور مذهب المالكية أنّ المدينة أفضل من مكّة ، وثواب العمل فيها أكثر من ثواب العمل في مكّة ، ومقتضى هذا أنّ من نذر الصلاة في المسجد الحرام أجزأته الصلاة في مسجد المدينة ؛ لأنّ مسجد المدينة أفضل عندهم من المسجد الحرام بقطع النظر عن الكعبة وعن القبر الشريف « 1 » .
واستدلّوا : بأنّ مسجد المدينة موضع اختاره اللَّه سبحانه لنبيّه صلى الله عليه وآله ، وموضع كهذا لا بدّ وأن يكون أفضل من غيره ، ومن ثمّ فإنّه يجزئ مَن نذر الصلاة في المسجد الحرام أن يصلّي في مسجد المدينة « 2 » .
وذهب أبو حنيفة وصاحباه إلى : أنّ من نذر الصلاة في المسجد الحرام تجزيه الصلاة في أيّ مسجد من مساجد اللَّه تعالى « 3 » .
واستدلّوا : بأنّ المقصود والمبتغى من النذر هو التقرّب إلى اللَّه عزّ وجلّ ، فلا يدخل تحت النذر إلّاما هو قربة ، وليست القربة في عين المكان ، فإنّما هو موضع تؤدّى فيه القربة ، ولهذا فإنّه لا يدخل تحت النذر ، فلا يتقيّد النذر به ، فكان ذكره والسكوت عنه بمنزلةٍ « 4 » .
وبأنّ المعروف من الشرع أنّ التزام ما هو قربة موجب ، ولم يثبت من الشرع اعتبار تخصيص العبد العبادة بمكان ، بل إنّما عرف ذلك للَّهتعالى ، فلا يتعدّى لزوم أصل القربة بالتزامه إلى لزوم التخصيص بمكان ، فكان تخصيص المكان ملغىً ، وبقي لازماً بما هو قربة « 5 » .
هامش
( 1 ) التاج والإكليل ( بهامش مواهب الجليل ) 3 : 344 - 345 ، مواهب الجليل 3 : 344 - 345 ، شرح الزُرقاني على مختصر خليل 3 : 105 - 106 ، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 2 : 462 - 463 .
( 2 ) راجع المصادر المتقدّمة .
( 3 ) المبسوط للسرخسي 3 : 132 ، بدائع الصنائع 6 : 358 ، شرح فتح القدير 4 : 374 - 375 .
( 4 ) بدائع الصنائع 6 : 358 .
( 5 ) ردّ المحتار 11 : 334 .