على تشخيص المراد من لفظ ( الأحسن ) ، وهل هو من أفعل التفضيل ، نظير : الصلاة خير من النوم ، أو صفة مشبّهة ، نظير : النوم خير من اللَّه ؟ وعلى الأوّل ، فهل المراد الأحسن بقول مطلق ، أي : مالًا أحسن منه ، أو الأحسن نسبياً ، أي : الأحسن من تركه وإن كان غيره أحسن منه ؟ وعلى الثاني ، فهل المراد منه ما اشتمل على مصلحة ، أو يكفي خلوّه عن المفسدة ، وذلك بناءً على أن كلّ ما ليس بحرام فهو حسن ؟ » .
ثمّ لمّا انتهى الكلام إلى هذا المقام طلب بعض الحضور تغيير الموضوع ونقل البحث إلى مسألة من المسائل الاعتقادية وأساسيات أُصول الدين ، فأوصل سماحته الكلام اقتضاباً من غير رويّة ولا تمهّل ، ونقل البحث إلى مسألة الحاجة إلى الأنبياء وضرورة البعثة ، فقال :
« إنّ النظر في عامّة أحوال البشر يعطي أن أعرق صفاته وألصقها فيه وأقدمها عهداً به هي الخلال الثلاث التي لا يجد عنها محيصاً ولا منها مناصاً مهما كان ، ألا وهي الجهل والعجز والحاجة ، وهذه الصفات هي منبع شقائه وأصل بلائه ، وكلّما توغّل الإنسان في العلم والمعرفة تطامن للاعتراف بما توصل إليه من العلم بعظيم جهله ، وأنّ نسبة معلوماته إلى مجهولاته نسبة القطرة إلى المحيط ، وكان أكبر علمه جهله البسيط .
وقد سئل أفلاطون « 1 » حين أشرف على الرحلة الأبدية عن الدنيا ، فقال : « ما
هامش
( 1 ) أفلاطون بن أرسطون : أعظم فلاسفة العصور القديمة . ولد في أجينا سنة 427 ق . م ، أبوهأرسطون ينحدر من أُسرة عريقة ، وكذلك أُمّه باركيتيوني التي كانت أُخت خرميدس وابنة أخي كريتياس اللذين كانا يمثّلان الحزب الأرستقراطي الأُوليغاركي واللذين قتلا عند نهاية الحرب الأهلية سنة 403 ق . م ، فسقطت معهما الحكومة لتحلّ محلّها الحكومة الديمقراطية التي أعدمت سقراط فيما بعد سنة 347 ق . م . بتهمة إفساد عقول الشباب . وأمام الواقع -