- أعني : الصحيفة السجّادية « 1 » - ظهر له هذا المطلب غاية الظهور والوضوح .
وليعلم أنّ الحكماء شرحوا هذه القضايا ، ونظموا هذه البيانات ، ونضدوها كنضد الدرر ، ولكن لم يذهبوا - معاذ اللَّه - إلى أنّ العقل الأوّل خالق للعقل الثاني والفلك الأوّل ، حتّى يقال في حقّهم : إنّهم يجعلون شريكاً للحقّ جلّ وعلا في الخلق والإيجاد ، حاشاهم أن يقولوا هذا ، ولم يتفوّه أحد منهم بهذه المقالة الفاسدة والكلمة الفاضحة ، كيف وجميع طوائف الحكماء اتّفقوا على أنّه لا مؤثّر في الوجود إلّااللَّه ، بل مرادهم أنّ كل عقل بالنسبة إلى الآخر واسطة للفيض ومعدّ للوجود له ، بمعنى :
أنّ الحقّ جلّ وعلا يفيض الوجود إلى العقل الأوّل ابتداءً ، وإلى العقل الثاني والفلك الأوّل ثانياً وبالواسطة ، كما أنّكم تقولون في محاوراتكم : إنّ من الأب والأُمّ خلق الولد ، والوالد علّة لوجود الولد ، وليس المراد - والعياذ باللَّه - أنّ الوالد خالق للولد أو مفيض الوجود للولد ، بل لا خالق ولا موجد إلّااللَّه تبارك وتعالى ، ولكنّ الشخص الذي هو عبارة عن زيد بن عمرو وهند لا يكون موجوداً بهذه الخصوصيات إلّابعد وجود عمرو وهند .
هكذا العقل الثاني وجود واحد في مرتبة خاصّة ، لا يكون موجوداً بهذه المرتبة من الخصوصية إلّابعد العقل الأوّل ، فالعقل الأوّل له نحو إعداد لوجود العقل الثاني ، كمعدّية وجود الآباء والأجداد في وجودي ووجودك .
وبناءً على مذهب المشّائين الذي ذكرنا خلاصته ، العقول الكلّية عندهم إنّما تكون طولية ، وليست هناك عقول عرضية كلّية ، والعقول الكلّية الطولية عندهم محصورة في العشرة ، وأمّا العقول الجزئية فهي غير متناهية .
وليس على هذا الحصر برهان ، والبيان الذي ذكروه والتقريب الذي صدعوا به لا يفيد الحصر ؛ فإنّ المرتبة النازلة حيثيات وجهات متضاعفة من جهة تعدّد الواسطة والوسائط .
هامش
( 1 ) الصحيفة السجّادية : 148 - 149 .