تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمام كاشف الغطاء — صفحة 163

مساهمون:

ص١٦٣
وحدة يستظلّون بفيئها في أطواق بلاء ، وأطباق جهل ، من نيران حرب مشبوبة ، وغارات مشنونة ، إلى بنات موؤودة ، وأصنام معبودة ، وأرحام مقطوعة ، ودماء مهدورة . ثمّ كيف أصبحوا بعد أن جمع اللَّه بالإسلام كلمتهم ، وعقد بدين التوحيد وحدتهم ، ونشر على دعوة الحقّ رايتهم ، هنالك نشرت الرحمة عليهم جناح كرامتها ، وأسالت لهم جداول نعيمها ، حتّى تربّعت الأيّام بهم في ظلّ سلطان قاهر ، وآوتهم الوحدة إلى كنف عزّ غالب ، وتعطّفت الأُمور عليهم في ذرى ملك ثابت ، فما عتموا أن أصبحوا - بعد ذلك الذلّ وتلك الهنات - حكّاماً على العالمين ، وملوكاً في أطراف الأرضين ، يملكون الأُمور على من كان يملكها عليهم ، ويمضون الأحكام فيمن كان يمضيها فيهم ، لا تغمز لهم قناة ، ولا تقرع لهم صفاة . ذاك يوم كان للمسلمين وحدة جامعة وأُخوّة صادقة ، يوم كانوا متّحدين بحقيقة الوحدة وصحيح الإخاء ، يوم كانت مصالح المسلمين مشتركة ، ومنافعهم متبادلة ، وعزائمهم متكافلة ، ولا يجد المسلم من أخيه فيما يهمّه إلّاكلّ نصر ومعونة ، ورعاية وكفاية ، ثمّ دارت الدوائر ودالت الأيّام - والأيام دول - وأصبح المسلم لا يجد من أخيه القريب فضلًا عن البعيد إلّا القطيعة بل الوقيعة ، ولا يرتقب منه إلّاالمخاوف بل المتالف ، ولا يحذر من عدوّه الكافر أكثر من حذره من أخيه المسلم ، فكيف يرجى - وحال المسلمين هذه - أن تقوم لهم قائمة ، أو تشاد لهم دعامة ؟ ! وهيهات أن يسدّدوا ما لم يتّحدوا ، وهيهات أن يتّحدوا ما لم يتساعدوا . فيا أيّها المسلمون ، لا تبلغون الاتّحاد الذي بلّغ آباؤكم ما بلغوا بتزويق الألفاظ وتنميق العبارات ، أو نشر الخطب والمقالات ، وضجيج الصحف وعجيج الأقلام ، ليس الاتّحاد ألفاظاً فارغة ، وأقوالًا بليغة ، وحكماً بالغة ، بما بلغت من أوج البلاغة وشأو الفصاحة ، ملاك الاتّحاد حقيقة التوحيد هنا صفاء نيّة ، وإخلاص طوية ، وأعمال جدّ ونشاط . . الاتّحاد سجايا وصفات ، وأعمال وملكات ، وملكات راسخة ، وأخلاق فاضلة ، وحقائق راهنة ، ونفوس متضامنة ، وسجايا شريفة ، وعواطف كريمة . .
الإمام كاشف الغطاء — صفحة 163 | محمد الساعدي