بقوّة أعوانه ، وأنّ كلّ واحد منهم عون للآخر . . فهل يتقاعس عن تقوية عونه ، وتعزيز عزّه وصونه ؟ كّلا .
ثمّ إذا كان التخلّق بهذا الخلق الشريف عسيراً لا ينال ، وشأواً متعالياً لا يدرك ، ولا يستطيع المسلم أن يواسي أخاه المسلم وأن يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه ، وأن يجد أنّ صلاحه بصلاح أُمّته وعزّه بعزّة قومه ، فلا أقلّ من التناصف والتعادل والمشاطرة والتوازن ، فلا يجحد المسلم لأخيه حقّاً ، ولا يبخسه كيلًا ، ولا يطفّف له وزناً . والأصل والملاك في كلّ ذلك : اقتلاع رذيلة الحرص ، والجشع ، والغلبة ، والاستئثار ، والحسد ، والتنافس ، فإنّ هذه الرذائل سلسلة شقاء ، وحلقات بلاء ، يتّصل بعضها ببعض ، ويجرّ بعضها إلى بعض ، حتّى تنتهي إلى هلاك الأُمّة التي تتغلغل فيها ، ثمّ تهوي إلى أحطّ مهاوي الشقاء والتعاسة . والبذرة الأُولى لكلّ من تلك الثمار الموبوءة هو حبّ الأثرة ، وقد قيل : « الاستئثار يوجب الحسد ، والحسد يوجب البغضاء ، والبغضاء توجب الاختلاف ، والاختلاف يوجب الفرقة ، والفرقة توجب الضعف ، والضعف يوجب الذلّ ، والذلّ يوجب زوال الدولة وزوال النعمة وهلاك الأُمّة » . . والتاريخ يحدّثنا - والعيان والوجدان يشهدان لنا شهادة حقّ - أنّه حيث تكون تلك السخائم والمآثم ، فهناك فناء الأُمم ، وموت الهمم ، وفشل العزائم ، وتلاشي العناصر ، هناك الاستعباد والاستعمار ، والهلكة والبوار ، وتغلّب الأجانب ، وسيطرة العدوّ . . أمّا حيث تكون الآراء مجتمعة ، والأهواء مؤتلفة ، والقلوب متآلفة ، والأيدي مترادفة ، والبصائر متناصرة ، والعزائم متوازرة ، فلا القلوب متضاغنة ، ولا الصدور متشاحنة ، ولا النفوس متدابرة ، ولا الأيدي متخاذلة ، فهناك العزّ والبقاء ، والعافية والنعماء ، والقهر والقوّة ، والملك والثروة ، والكرامة والسطوة ، هناك يجعل اللَّه لهم من مضائق البلاء فرجاً ، ومن حلقات السوء مخرجاً ، ويبدّل لهم العزّ مكان الذلّ ، والأمن مكان الخوف ، فيصبحوا ملوكاً حكّاماً ، وأئمّةً أعلاماً . . وليعتبر المسلمون اليوم بحال آبائهم بالأمس كيف كانوا قبل الإسلام إخوان وَبَرٍ ودَبَرٍ ، وأبناء حلّ وترحال ، أذلّ الأُمم داراً ، وأشقاهم قراراً ، لا جناح دعوة يأوون إلى كنفها ، ولا ظلّ
الإمام كاشف الغطاء — صفحة 162
مساهمون: محمد الساعدي
ص١٦٢