تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمام كاشف الغطاء — صفحة 153

مساهمون:

ص١٥٣
الصعوبات في سبيله ، خلق ما تعوّدناه ولم يصر فينا غريزة وخلقاً ، فلا لوم عليّ إذا أصبحت متخوّفاً قلقاً ، بل كأنّ العجلة وعدم الأناة هي التي جبلنا عليها ، فإذا زاولنا أمراً أو عملًا نريد أن نصل إليه في يوم واحد ، وإذا توسّعنا في الصبر ففي بضعة أيّام ، وننسى حكمة التدريج في خلق السماوات والأرض من القادر على خلقه بقوله :
( كُنْ فَيَكُونُ )
« 1 » . . . وها أنا أجدني في هذا المؤتمر على حدّ قوله عزّ شأنه :
( خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ )
« 2 » ، أصبحت أتطلّب منه أن يقوم للإسلام والمسلمين بعلاج كلّ معضلة وحلّ كلّ مشكلة ، وأن يدفع عنّا كلّ انتداب واستعمار وكلّ حيف وظلم ، أُريد منه كلّ ذلك وهو بعد ، ولا أقول : إنّه جنين لم يولد ، بل أقول : إنّه نطفة ، ولكنّها نطفة طيّبة وبذرة صالحة ، نرجو من الحقّ سبحانه أن يصوّرها بصورة حسنة وينبتها نباتاً حسناً . فيا أيّها الإنسان ، لا تحمّل المؤتمر ما لا طاقة له به ، فتبهضه وتجهضه ، وارفق به وامهله رويداً حتّى يأخذ من القوّة مقدار ما يقدر به على أن يأخذ ويعطي ويدفع ويمنع . وبعبارة أجلى : خذ منه مقدار ما تعطيه من القوّة وما تغذّيه من أسباب الحياة . 2 - إنّ من الغرائز التي استحكمت في نفوسنا وتوارثناها في قرون بعيدة - وهي التي قضت علينا ولم نستطع إلى اليوم أن نقضي عليها - غريزة الشقاق والخلاف بيننا ، خلافاً لما أمرنا اللَّه سبحانه به من الوحدة والألُفة وما عقده جلّ شأنه في أعناقنا من الأُخوّة والولاء :
( الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ )
« 3 » ، ومعلوم أنّ اختلاف الآراء وحرّية الفكر ناموس من نواميس البشر وفطرة فطر اللَّه الناس عليها :
( سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا )
« 4 » ، ولكن الرزية وقاصمة الظهر جعل الاختلاف في الرأي سبباً للعداوة وآلة لقطع وشائج الأُخوّة وأواصر القربى . ولا ريب أنّنا مسلمون موحّدون قبل كوننا سنّيّين أو
هامش
( 1 ) سورة الأنعام 6 : 73 ، سورة النحل 16 : 40 ، سورة يس 36 : 82 ، سورة غافر 40 : 68 . ( 2 ) سورة الأنبياء 21 : 37 . ( 3 ) سورة التوبة 9 : 71 . ( 4 ) سورة الفتح 48 : 23 .