هذا الفنّ الباهر والصنع العبقري الذي يحدّث من رآه بما كان لهم من عظيم القدرة ومنيع السلطان لا يوجد شيء منه في بلاد الغرب مهمّا بلغوا اليوم من الحول والقوّة والحضارة والمدنية ، فلا ريب أنّ كلّ واحد منّا قد توقّدت في قلبه شعلة من الغيرة ومقباس من الحفيظة ، تبعثه على ما يجب عليه من الدفاع عن هذه المقدّسات بكلّ وسعه وجهد إمكانه ، بل ويوقد في قلب غيره من المسلمين النائين مثل ما في قلبه ، حتّى يندفع الجميع على العمل ، ولا نكون مصداق قول القائل :
ورثنا المجد عن آباء صدق * أسأنا في ديارهم الصنيعا
إذا الحسب الرفيع تواكلته * بنات السوء أوشك أن يضيعا
وزد على ذلك فيما يبعث الأمل ويحيي الرجاء ما شاهدناه من اجتهاد الأعضاء المحترمين وحرصهم على تسيير هذا المؤتمر على المناهج القويمة والأساليب الصحيحة التي يتمكّن بها من صحّة الإنتاج وسمو النتائج .
ولكن كلّ تلك البوادر المبشّرة والظواهر المنعشة لم أجدها كافية في دفع مساورة الخوف عن نفسي وتهاجم الوساوس على خواطري ؛ لأُمور منها :
1 - إنّنا معاشر الشرقيّين والمسلمين على الأخصّ ( حاشا أُخواني الحاضرين ) وإنّما أعني نفسي وأمثالها ، يعوزنا الثبات والاستقامة ، فطالما رأينا المسلم يتوقّد في بعض المواقف الحرجة حتّى تحسبه شعلة نار من الحماس والتهيّج ، ثمّ لا تجده بعد قليل إلّاوقد خمدت تلك الجمرة وانطفأت تلك الجذوة ، وعدم الثبات - أيّها الأعلام - هو أقتل أدوائنا وأعضل أمراضنا ! والثبات أساس كلّ نجاح ومفتاح كلّ ظفر ، وما الثبات إلّافرع من شجرة الصبر الذي رود في القرآن الكريم في سبعين مورداً « 1 » وبيان ما له من الفوائد التي :
( وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ )
« 2 » ، ولكن على الرغم من كلّ ذلك فإنّ هذا الخلق الكريم خلق الثبات وخلق الصبر وخلق المثابرة على العمل الشريف وتذليل
هامش
( 1 ) ورد الصبر ومشتّقاته في القرآن الكريم أكثر من مائة مرّة ، فلاحظ .
( 2 ) سورة فصّلت 41 : 35 .