ومع ذلك فلا يعوقنا شيء عن الجواب الوجيز والإيماء الوامض الذي يدلّكم على بعض الناحية المهمّة في سؤالكم أو كلّها .
1 - يعتبر باب الاجتهاد مفتوحاً أمام فقهاء الإمامية بغير حدّ من ناحية المجتهد إلّاحدود تحقيق شرائطه وأهليّته من أيّ عنصر كان ، وفي أيّ بلد أو زمان يكون ، وإلى أيّ نحلة من نحل الإسلام ينتسب ، فهو من هذه الناحية حرّ طليق لا يتقيدّ إلّابنفسه وتحقّق ذاته .
2 - وأمّا مسافته فهي كذلك غير محدودة ، لا في أوّل ولا آخر ، بل مستمرّة ما دام التكليف وما بقيت العقول التي هي الحجّة الكبرى للخالق على المخلوق وللمخلوق على الخالق ، وهي ثابتة في كلّ زمان ومكان ، وفي عامة الشرائع والأديان .
3 - وأمّا نوعه فهو من العلوم النظرية الفكرية الاستقلالية ، وليس من العلوم الآلية ، وهو مقدّمة للعمل ، وليس تحقّقه منوطاً به ، بل هو ملكة نفسية كسائر العلوم والفنون ، ولا تكون ملكة راسخة إلّابعد الممارسة والمزاولة ، وسبر الأدلّة ، واستحضار القواعد العامّة ، والإحاطة بالأشباه والنظائر . وهو أحوج ما يكون إلى ذهن نافذ ، وفهم وقّاد ، وذوق سليم ، واعتدال سليقة ، واستقامة طريقة ، ومعرفة بالأُمور العرفية يستطيع بها تطبيق الأُصول للفروع واستنباط حكم الجزئي من الدليل الكلّي . ويستحيل عادة أو حقيقة هذه الملكة - أعني : ملكة الاجتهاد - للبليد والرجل العادي ، ولذا قالوا : إنّ الاجتهاد نور يقذفه اللَّه في قلب من يشاء .
وأنا أقول : نعم ، هو نور ، ولكن لا يقذفه اللَّه في قلب أحد جزافاً ، وإنّما ينفحه به بعد طول الكدّ والجدّ والتعب والعناء ، وإن نقل عن بعض الأساطين أنّ ملكة الاجتهاد حصلت لهم قبل البلوغ ، وهو إن صحّ فمن النوادر والشواذ .
4 - هل حرّيتهم الفكرية مطلقة بالمعنى الصحيح ، أم هي مقيّدة تقييداً كبيراً بمذهبهم ؟
قد أشرنا إلى أنّ الاجتهاد لا يتقيّد بمذهب من المذاهب ، فهو مطلق من هذه
الإمام كاشف الغطاء — صفحة 144
مساهمون: محمد الساعدي
ص١٤٤