جازت في عرف الكياسة ولغة السياسة فلا تجوز في لغة العقل والمنطق . . .
وقسماً بكلّ المقدسات ، لو أنّ الدول العربية بقي في ظروفها وشل من الغيرة وثمالة من الحمية والشرف والنخوة الإسلامية لقاطعوا كلّ أمريكي وإنجليزي ، ولأخذوا بسياسة السلب والمقاطعة التي أخذ بها زعيم الهند ( غاندي ) « 1 » ونجح ، ولحرّموا على أنفسهم كلّ مقاطعة أجنبية من بضائع أُولئك الظالمين ، ولأخذوا التدابير للاستغناء عن صنائعهم ومنسوجاتهم ، فإنّ لباس الصوف الخشن مع العزّ والكرامة أنعم وأكرم وأغلى وأشرف من لباس الحرير والإستبرق مع المذلّة والمهانة ! ولكن إذا أراد اللَّه أن يهلك قوماً بسوء أعمالهم حبّب إليهم عيش النعيم ، فاستبدلوا الشرف بالترف ، وتوصّلوا إلى الذلّة بالذلّة ، وفقدوا حسّ الشعور بكرامة النفس وعلو الهمّة ، وهان عليهم الطعنات الجارحة والضربات الفاضحة !
قلنا للسفير الإنجليزي في محاورتنا معه التي نشرت في العالم الماضي : إنّ العراق منذ احتلالكم له حتّى الآن يسير من سيّئ إلى أسوأ في جميع نواحيه الاقتصادية والعمرانية وغيرهما ، فقال ما معناه : كلّا ! بل تحسّنت الأُمور ، وتقدّم العمران ، وكان قصر الملك في بغداد يحيط به الماء كلّ سنة عند الفيضان وقد صار آمناً من ذلك ! فقلت : ليس المهمّ قصر الملك ، بل المهمّ كوخ الفلّاح الذي يشيّد منه
هامش
( 1 ) موهندس كرمشاند غاندي الملقّب بالمهاتما ، أي : القدّيس ، أو النفس العظيمة : زعيم وطنيهندي ، ومصلح اجتماعي ، ورائد فلسفة اللاعنف في الحياة السياسية . ولد في مدينة بور بندر في الهند سنة 1869 م من عائلة برجوازية ، وتزوّج في سنّ الثانية عشرة ورزق بأربعة أطفال ، وفي سنة 1888 م سافر إلى بريطانيا ليتابع دراسته القانونية ، وقد أقسم - قبيل سفره - على عدم تناول اللحوم والكحول وعدم معاشرة النساء ، ثمّ عاد إلى الهند عام 1891 م وبدأ بممارسة مهنة المحاماة ، ثمّ سافر إلى جنوب أفريقيا بعد تلقّيه عرضاً بالعمل ، ومن هنا بدأت مسيرته السياسية والنضالية ضدّ كلّ أشكال الاستعمار والثقافة المنحلّة ، إلى أنّ اغتيل برصاص أحد المتعصّبين الهندوس ( ناتورام غودس ) نتيجة لقبوله قرار تقسيم القارّة الهندية ، وذلك في عام 1948 م . ( موسوعة السياسة 4 : 315 - 321 ) .