والتكذيب واعلان الحرب على اللّه ، ولم يدع لها حجة تستند إليها ، وعذرا تعتذر به .
أجل ، ان اللّه كتب الرحمة على نفسه ، ولكن لمن آمن بها وأيقن ، وهو يغفر الذنوب ، ولكن للمؤمن ، لأن ذنبه لا يخرجه عن الإيمان ، فله أن يتذرع بايمانه ، وأن يسأل اللّه العفو ، ولا يقطع الرجاء حتى ولو رأى العذاب وجها لوجه ، كما أسلفنا من قول الإمام : « لئن أدخلتني النار لأخبرن أهلها يجبي لك » . وبماذا يتذرع الجاحد بعد يأسه وقوله : لا رب ولا بعث ولا نشور ولا جنة ولا نار . ان هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين ؟ !
قد يكون الذي يستمع إلى مناجاة الإمام عالما أو فيلسوفا أو أديبا أو مؤرخا وقد يكون جاهلا ، وقد لا يؤمن بشيء ، ومهما يكن فإنه يشعر في قرارة نفسه بالرهبة والجلال لهذا المنطق ، لأنه يعبر عن واقع لا ريب فيه ، ويفرض نفسه على كل انسان من حيث يشعر أو لا يشعر :
وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ
النمل 14 .
وهذا ما أراده الإمام من مناجاته ، أراد أن يعود بالنفوس إلى فطرتها ، ويحييها بالأمل والشجاعة ، ويحملها على اليقين بأن سبيل الأمان والنجاة هو الإيمان باللّه ، وان أبواب الرجاء والخلاص مفتوحة أمام المؤمن وان كثرت ذنوبه وتنوعت ، وانه لا نجاة ولا أمان لجاحد في كل حال ، لأن اللّه لا يغفر ان يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء .
قرر الإمام هذه الحقيقة بكل هدوء وبأسلوب يأخذ بمجامع القلوب ، ويزيل منها الشكوك بمنطق تدهش العقول لبساطته ، ولكنه أقوى تأثيرا من جميع الوسائل والأقيسة التي يتذرع بها العلماء والفلاسفة . وهنا سر الاعجاز .