ولكن هذه السيئات لا تسلب صاحبها حق الدفاع عن النفس ، فان المذنب والبرىء فيه سواء ، وعلى الحاكم أن يفسح المجال للاثنين دون تفاضل ، حتى ولو ظهرت قرائن الاقتناع ودلائل الإدانة ، بل إن المذنب أولى من البريء في هذا الحق ، فان له بعد ثبوت الجرم عليه أن يدلي بأسباب العفو عنه ، أو التخفيف من العقوبة ، بخاصة إذا وجد السبيل إلى ذاك ، ولا شيء أكثر من السبل إلى مغفرة اللّه ورحمته ، ومنها الاعتراف بالتقصير وطلب العفو والرضوان .
لقد كتب اللّه على نفسه الرحمة ، وخاطب عباده بقوله :
قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ، إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
الزمّر 54 .
إذن يحق لكل من يحاكم بين يديه أن يطلب العفو والرحمة ، ويحتج بتفضله واحسانه وعدم افتقاره إلى شيء ، واستمع إلى منطق الإمام الصارم الحازم :
« اللهم إني امرؤ حقير ، وخطير يسير ، وليس عذابي مما يزيد في ملكك مثقال ذرة ، ولو أن عذابي مما يزيد في ملكك لسألتك الصبر عليه ، وأحببت أن يكون ذلك لك ، ولكن سلطانك أعظم ، وملكك أدوم من أن تزيده طاعة المطيعين ، أو تنقص منه معضية المذنبين » .
وهذه حقيقة صافية نقية ، ودستور إلهي لا تحول دون تطبيقه القوى مجتمعة . وبواقع الحال لا يطبق هذا الدستور الا على من دان به وآمن باللّه وثوابه وعقابه ، أما الجاحد فقد قطع الطريق على نفسه ، واختار لها سوء المصير