ومهما يكن فان الفرق بعيد جدا بين من يضمر الجحود ، ويظهر الإيمان كذبا وافتراء ، وبين من يؤمن بالحق ، ولكن لا يثبت عند الصدمات . ان الفرق بين الاثنين كالفرق بين من سار إلى المعركة مع الجند ليتجسس ويدبر المكائد والمصائد ، وبين من هرب من الجندية حرصا على حياته وحياة أولاده ، فالأول تعمد الاجرام والعدوان ، وتاجر بالدماء والأرواح ، لغاية الكسب والربح . أما الثاني فكل ما يبتغيه « سلامات يا راس » ولا يضمر لأحد شرا . وقد يشعر بالخطيئة والخجل من نفسه ، ويطلب السماح والغفران ، بل قد يحس بالراحة عندما يعاتب أو يعاقب ، وقد رأينا من يعترف بالذنب علنا ، ويطلب ايقاع العقوبة به ، ليخلص من توتر الأعصاب ، وتأنيب الضمير الذي لازمه في ليله ونهاره . وإليك - مثلا واحدا من آلاف الأمثلة :
كان بعض القدامى يرفض ما يصطدم مع دينه ووجدانه ، وهو في مقتبل العمر ؛ وعندما تقدمت به السن ، وأصبح ذا عيال وأطفال تقبل بعض ما كان يرفض من قبل ، وفي ذات يوم رجع إلى نفسه ، وقارن بين يومه وأمسه ، فذاب قلبه حسرات أرسلها مع أنفاسه الملتهبة في هذين البيتين :
عصيت هوى نفسي صغيرا وعندما * رماني زماني بالمشيب وبالكبر
أطعت الهوى عكس القضية ليتني * ولدت كبيرا ثم عدت إلى الصغر
وليس من شك أن الكريم سبحانه قد غفر لهذا الشاعر الذي تحرق ألما من ذنبه ، ونكس رأسه حياء من ربه .
قدمنا ان الإيمان باليوم الآخر يخلق في الانسان حافزا إلى عمل الفضائل والخيرات ، وتجنب الشرور والموبقات . وللتدليل على هذه الحقيقة نذكر