ان النصوص أشبه بمخطط لعمارة لا يظهر أثره إلا بعد البناء والانتهاء من العمل . قال الرسول الأعظم :
« الاسلام أحوج إلى الجماعة من الجماعة إلى الاسلام » . يشير بهذا إلى أن أية فكرة لا تعتمد على جماعة من الناس تؤمن بها وتدافع عنها محكوم عليها بالفشل ، وهذه النظرية من أحدث النظريات التي اكتشفت في عصرنا هذا . وكم في تعاليم محمد من أفكار لو كشف عنها الغطاء ، وقورنت بالأفكار يومذاك ، لتبين أنها سبقت عصرها بآلاف السنين .
يقول علماء التربية : إن الانسان نتيجة لعوامل كثيرة ، منها الزمان والمكان ، وتقاليد من يعاشر ، بل منها غذاؤه وكساؤه ، والهواء الذي يستنشق ، والصوت الذي يسمع ، والضوء الذي يرى ، وما إلى ذاك ، ولذا إذا أرادوا معرفة شخص على حقيقته درسوا مهنته وبيئته والظروف المحيطة به .
ومحمد كان غريبا عن قومه في أخلاقه وأفكاره . كانوا يعبدون الأوثان ، وكان أبغض الناس لها « 1 » وكانوا يظلمون ويكذبون ، ولا يتورعون عن المنكرات والفواحش ، وكان أشد الناس نفرة من الظلم والكذب والمنكر والفحشاء ، ومن كل ما يشين حتى أسموه الصادق الأمين . وكانوا يعيشون في عزلة عن الأمم وأفكارها وعلومها ، حتى تغلبت عليهم البداوة بأجمع معانيها ، وكان هو معدن العلوم ومصدرها .
وإذا كان فكر الانسان لا يتجاوز حدود المعارف في عصره مهما سمت مواهبه وعبقريته ، فمن أين هذه العلوم في القرآن والحديث ؟ !
هامش
( 1 ) قبل أن يبلغ محمد سن الرجال ، قال له البعض ، يا غلام أسألك بحق اللات والعزى الا أخبرتني عما أسألك . فقال له محمد : لا تسألني باللات والعزى : فو اللّه ما بغضت شيئا بغضهما . وكان بينه وبين رجل اختلاف في شيء ، فقال له الرجل : احلف باللات والعزى فقال له : ما حلفت بهما قط ، واني أعرض عنهما .