رمح . وكانت المأساة الّتي يعرفها الجميع من انشقاق عسكر الإمام ومهزلة التّحكيم « 1 » .
ومن السّهل أن يصل الإنسان إلى غايته عن طريق الاحتيال والإجرام ، ولكن ليس من السّهل أن يظل كعليّ بن أبي طالب ، حيّا في عقول النّاس وضمائرهم ، ورمزا للفضائل مدى الحياة ، ليس من السّهل أن يحظى رجل بإعجاب العالم المتمدن وتقديره ، بعد أن مرّ على وفاته أكثر من ثلاثة عشر قرنا ، ليس من السّهل أن تدين الملايين بأقواله ، كما تدين بكتاب اللّه وسنّة الرّسول .
هامش
( 1 ) لقد تكلّم الشّارحون عن حرب الخوارج ، ومروقهم ، وأطال المؤرخون الحديث عن أحوالهم ، ووضع فيهم العديد من المؤلفات ، ومن أحبّ معرفة التّفاصيل فليرجع إليها ، وإلى أقوال شارحي النّهج . . . وغرضنا الآن أن نشير إلى موقف أمير المؤمنين عليه السّلام منهم ، ويتلخص بأنّه حاول جهد المستطاع أن لا يهيجهم في شيء . ومن جملة ما قال لهم : « ألم أقل عند رفع المصاحف : إنّ معاوية ورهطه ليسوا بأصحاب دين ، ولا قرآن ، وإنّما هم يكيدون ، ويخدعون ، ويتّقون حرّ السّيف ؟ . فأبيتم إلّا إيقاف القتال ، والكف عنه ، وإلّا التّحكيم ، وإلّا الأشعريّ . . فرضيت مكرها خوف الفتنة ، ورضوخا لأهون الشّرين . . . وأيضا قلت لكم بعد التّحكيم : أخذنا عليهما ألّا يتعدّيا القرآن فتاها عنه ، وتركا الحقّ ، وهما يبصرانه ، وكان الجور هواهما فمضيا عليه » ؟ . انظر ، نهج البلاغة من كلام له عليه السّلام رقم ( 127 ) ، البداية والنّهاية : 9 / 339 ، الإحتجاج : 2 / 58 ، الإرشاد : 2 / 165 ، أنساب الأشراف :
2 / 357 ، الأخبار الطّوال : 209 ، تأريخ ابن خلدون : ق 2 / ج 2 / 177 .
فقالوا للإمام : لقد أخطأنا ، وكفرنا ، فاشهد أنت على نفسك بالكفر ، وتب إلى اللّه كما تبنا ، ونحن معك ، وإلّا فبيننا وبينك السّيف . انظر ، شرح النّهج للعلّامة الخوئي : 4 / 126 ، تذكرة الخواصّ : 95 .
ولكن ذكر صاحب النّهج لابن أبي الحديد تحقيق محمّد أبو الفضل : 2 / 233 و 238 و 240 أنّ أصل هذا الكلام قالته الحروريّة للإمام عليّ عليه السّلام وليس لابن عبّاس بلفظ : يا عليّ قد كنّا زللنا وأخطأنا حين رضينا بالحكمين ، وقد بان لنا أنّا زللنا وأخطأنا فرجعنا إلى اللّه تعالى وتبنا ، فأرجع أنت يا عليّ كما رجعنا وتب إلى اللّه كما تبنا وإلّا برئنا منك . . . ( وانظر ، ينابيع المودّة : 2 / 20 - 21 ، وقعة صفّين : 517 ، الإمامة والسّيّاسة : 1 / 168 ، الكامل لابن الأثير : 2 / 404 ) .