انضمامه إلى الثّوار ، أو وقف موقف المترقب كما فعل معاوية . وهذا شأن كلّ سياسي محترف في كلّ زمان ومكان ، وما أكثر الشّواهد والأرقام .
وبعد أن قتل عثمان ، وبويع الإمام اسقط ما في يد معاوية ، وحتار في أمره ، فهو يعلم علم اليقين أنّ عليّا سوف يبعده عن إمارة الشّام ، وأنّه سيطبق أحكامه العادلة الصّارمة على الجميع ، وأنّ النّاس ، كلّ النّاس ، سيتساوون في الحقوق ، ولم يبق لأحد أيّة ميزة على غيره ، ولكن سرعان ما قدمت له فتنة الجمل الحل لهذه المعضلة ، فتذرع بدم عثمان ، وانتحله بعد أن خذله ، تماما كما فعل أصحاب الجمل الّذين لم يألوا جهدا في الكيد لعثمان ، ثمّ اتهموا الإمام أنّه المدبر لقتله .
قال ابن سيرين : « ما علمت أنّ عليّا أتهم بدم عثمان ، حتّى بويع ، فلمّا بويع اتّهمه النّاس » « 1 » .
معاوية يساوم :
قال الرّواة : أنّ المغيرة بن شعبة أشار على الإمام أن يثبت معاوية في ولاية الشّام أيّاما ، ثمّ يرى فيه رأيه ، فقال له الإمام : « لا أداهن في ديني ، ولا أعطي الدّنيّة في أمري » . فذهب المغيرة ، ثمّ عاد ، وقال له : نظرت في الأمر ، فإذا أنت المصيب بعزل معاوية . وقال الرّواة أيضا : أنّ ابن عبّاس قال للإمام : نصحك في الأولى ، وغشك في الثّانية ، وشاع هذا الرّأي المنقول عن ابن عبّاس ، واعتنقه كثيرون في القديم والحديث ، وبنوا عليه حكمهم وقولهم بأنّ عليّا لا يعرف
هامش
( 1 ) انظر ، العقد الفريد : 4 / 305 ، جواهر المطالب في مناقب الإمام عليّ لابن الدّمشقي : 2 / 172 .