ورأى ما فعل معاوية أرسل إليه أن يخلي بين النّاس والماء ، فأبى ، فقال له ابن العاص : خل الماء ، فلن يعطش عليّ ، وأنت ريّان ، فلم يأخذ برأيه ، فطرد جيش الإمام أهل الشّام ، وغلبوهم على الماء ، وعندها قال معاوية لابن العاص : ما ظنك أيمنعنا عليّ من الماء كما منعناه ؟ فقال : أنّ عليّا لا يستحل منك ما استحللت منه « 1 » . وبعث الإمام إلى معاوية من يقول له : نحن لا نكافيك بصنعك ، هلم إلى الماء ، فنحن وأنت فيه سواء « 2 » .
وليس بعجيب إذا منع معاوية الماء وأباحه عليّ ! . . . فهنا الإمامة الحقّة والرّحمة الشّاملة ، وهناك الإنتهازيّة والحقد . قال الأستاذ جرداق بعد أن نقل حكاية الماء : « لو كان في جيش معاوية قبس من الخلق الكريم لأدركوا بهذا الحادث أنّهم بمناصرتهم معاوية على عليّ إنّما يناصرون انتهازيا على نبيّ » « 3 » .
وصل الإمام إلى صفّين في ذي العقدة ، وابتدأت الحرب في أوّل ذي الحجّة سنة ( 36 ه ) ، وحصلت الهدنة في المحرم سنة ( 37 ه ) ، واستؤنف القتال في أوّل صفر ، وانته في ( 13 منه ) .
هامش
( 1 ) انظر ، تأريخ الطّبري : 3 / 569 ، وقعة صفّين : 161 ، الأخبار الطّوال : 168 ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 3 / 318 .
( 2 ) مال جيش الإمام على أعدائهم ، واضطروهم إلى ترك الشّريعة ، فسيطر عليها الإمام ، وألحّ عليه جماعة من أصحابه أن يمنع معاوية من الماء كما منعه ، فأبى ، وقال : « لا أفعل ما فعله الجاهلون ! ! سنعرض عليهم كتاب اللّه ، وندعوهم إلى الهدى ، فإن أبوا أعطيتهم حدّ السّيف » . انظر ، منهاج البراعة :
4 / 310 ، شرح المختار : 46 ، وقعة صفّين : 539 ، الفصول المهمة لابن الصّباغ المالكي ، بتحقيقنا :
1 / 447 و 497 . ولكنّ الشّيخ قدّس سرّه أورد ذلك بلفظ : « إنّ اللّه سبحانه أجرى هذا الماء ليشرب منه الجميع ، لا ليستأثر به فريق دون فريق » .
( 3 ) انظر ، « الإمام عليّ صوت العدالة الإنسانيّة » : 4 / 973 .