وقوله طاب ثراه : « إنّما يستضيء بها ما كان كمدا في نفسه كثيفا في جوهره » ناظرا إلى ما ذهب إليه جماعة من أنّ الهواء الصّافي من الشّوائب ( لا يتكيّف بالضّوء ، وإنّما يتكيّف ) « 1 » به الهواء المخالطّ للأجزاء البخاريّة والدخانيّة ، أعني كرة البخار الّتي فيها يتحقّق الصّبح والشّفق .
وحكمه طاب ثراه بمخروطيّة شكل « 2 » الأرض ، مبنيّ على ما قام عليه البرهان في محلّه من أنّ الشّمس أعظم من الأرض ، وأنّه متى استضاءت كرة صغرى من كرة عظمى ، كان المضيء من الصّغرى أكثر من نصفها ، والمظلم أقلّ منه . ويكون ظلّها مخروطيّا .
وقوله : « لكن ضوء الهواء ضعيف ، إذ هو مستعار فلا ينفذ كثيرا . . . إلى آخره » ، يريد به أنّ الهواء لما كان تكيّفه بالضّوء بواسطة مخالطة الأجزاء البخاريّة القليلة الكثافة لم يكن شديد الضّوء ، وأنّه كلّما ازداد بعدا عنّا ازداد ضوؤه ضعفا في الحسّ إلى أن ينعدم بالكليّة ؛ ولذلك لا يرى في أواسط اللّيل شيء من ذلك الضّوء أصلا .
وأمّا قوله : « إنّ أوّل ما يظهر الضّوء عند قرب الصّباح يظهر مستدقّا مستطيلا - إلى قوله - لكون الأفق مظلما . . . إلى آخره » فهو متضمّن لحكمين :
الأوّل استطالة الصّبح الكاذب ، والثّاني : كون ما بينه وبين الأفق مظلما .
وهذان الأمران معلومان بالمشاهدة . والسّبب فيهما هو أن مخروط الظّلّ إذا زاد ميله « 3 » نحو الأفق الغربيّ ، لقرب الشّمس من الأفق الشّرقيّ ، ازداد الضّوء المحيط به قربا إلى النّاظر . وأوّل ما يرى منه ما هو أقرب إليه ، وهو موقع خطّ خارج من بصره ،
هامش
( 1 ) . في س : لا ينكشف بالضّوء وإنما ينكشف .
( 2 ) . في ح زيادة : ظلمة .
( 3 ) . في ص : الميل .