وقد يستدلّ بهذا الحديث على أنّ من ظهر له بعد الصّلاة الانحراف عن القبلة ، فإن كانت صلاته إلى ما بين المشرق والمغرب صحّت ولا تجب عليه الإعادة ، لا في الوقت ولا « 1 » خارجه ، وستسمع الكلام في ذلك في الفصل الثّاني إن شاء اللّه تعالى « 2 » .
وقوله عليه السلام في الحديث الثّاني : « يجزى التّحرّي أبدا » يراد به التّفحّص وبذل الجهد في تحصيل ما يترجّح كونه جهة القبلة .
ويستفاد من الحديث الثّالث أنّ إدارة الوجه وحده عن القبلة مبطل للصّلاة ، كما حكاه شيخنا في الذّكرى عن بعض مشايخه المعاصرين له « 3 » .
والمشهور عدم البطلان بمجرّد ذلك ، وفي بعض الرّوايات المعتبرة دلالة عليه ، وستسمع الكلام فيه فيما بعد إن شاء اللّه تعالى .
والفعل في قوله عليه السلام في الحديث الرّابع : « وتعمّد القبلة جهدك » مضارع معطوف على تجتهد ، وإحدى التّاءين محذوفة ، وربّما جعل فعل أمر .
وقد تضمّن هذا الحديث وجوب الاجتهاد في تحصيل جهة القبلة على كلّ من لم يكن عالما بها . وقد اختلف كلام المتأخّرين في تعريف الجهة الّتي يجب على البعيد تحصيلها واستقبالها ، مع اتّفاقهم على أنّها هي الّتي إذا عمل المكلّف بما يقتضيه الأمارات كان « 4 » مستقبلا لها ، لكن لمّا كان هذا القدر غير كاف في شرح حقيقة
هامش
( 1 ) . في ح زيادة : في .
( 2 ) . ويستفاد من هذا الحديث أنّه لا يكفي في باب القبلة العمل بالاجتهاد ، أعني التّعويل على الظّنّ إلّا مع العجز عن تحصيل العلم ، وقد صرّح به العلّامة في القواعد وغيرها ، والشّهيد في الذكرى وغيرها . وقال في القواعد :
القادر على العلم لا يكفيه الاجتهاد . وقال في الذكرى : لا يجوز الاجتهاد للقادر على العلم ؛ لأنّه عدول عن اليقين . « منه رحمه اللّه » ، بتفاوت بين النسخ .
( 3 ) . الذكرى 4 : 16 .
( 4 ) . في س : كلّها .