وهذه الرّواية وإن كانت ممّا رواه الشّيخ رحمه اللّه عن عليّ بن الحسن الطّاطريّ وهو من أكابر الواقفيّة ، إلّا أنّ الأصحاب قالوا : إنّه كان « 1 » ثقة في حديثه .
وقد « 2 » روى الشّيخ في باب القبلة عنه روايات كثيرة . والظّاهر أنّه قدّس اللّه روحه نقل هذه الرّوايات من كتابه الّذي ألّفه في القبلة ، وقد شهد له في الفهرست بأنّه روى ذلك الكتاب مع سائر كتبه في الفقه عن الرّجال الموثوق بهم وبروايتهم ، ومن ثمّ قلنا : إنّ هذه الرّواية لا تخلو من اعتبار .
والحاصل : أنّ نفس البناء ليس هو القبلة ، فلو فرض نقل البيت شرّفه اللّه تعالى إلى مكان آخر لم تصحّ الصّلاة إليه ؛ إذ ليس المعتبر البناء ، بل الفضاء المشغول بذلك البناء النّازل في تخوم الأرض ، الصّاعد إلى عنان السّماء ، ولهذا صحّت صلاة من نزل في بئر زمزم مثلا إذا تمكّن من السّجود ، كما صحّت صلاة من صعد إلى أبي قبيس .
وقد يطلق على ذلك الفضاء اسم الكعبة ، فيقال لهذين مثلا إنّهما مستقبلان للكعبة . وربّما يطلقون عليه اسم الجهة ، فيقولون لو زال البيت - والعياذ باللّه - وجب استقبال جهته ؛ لبقاء القبلة حقيقة .
وما ذكرناه من أنّ قبلة القريب هي عين الكعبة ، وقبلة البعيد جهتها ، هو قول السّيد المرتضى « 3 » وابن الجنيد « 4 » وأبي الصّلاح وابن إدريس والعلّامة « 5 » وجمهور المتأخّرين « 6 » .
هامش
( 1 ) . كان : ليس في م .
( 2 ) . قد : ليس في ب .
( 3 ) . جمل العلم والعمل : 62 - 63 ، ونقله عنه أيضا المحقّق في المعتبر 2 : 65 .
( 4 ) . حكاه عنه العلّامة في المختلف 2 : 79 .
( 5 ) . الكافي في الفقه : 138 ، السّرائر 1 : 204 ، المختلف 2 : 79 .
( 6 ) . كالشّهيد في الذكرى 3 : 157 ، والشّهيد الثّاني في المسالك 1 : 151 ، المحقّق الكركيّ في جامع المقاصد 2 :
47 ، والسّيد محمّد العامليّ في المدارك 3 : 118 .