تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحبل المتين في إحكام أحكام الدين ( طبع جديد ) — صفحة 392

مساهمون:

ص٣٩٢
وأما قوله : إنّ تمسّك السّيّد بالحديث تمسّك بدلالة الخطاب . ففيه نظر ظاهر ، فإنّ قوله عليه السّلام : « جعلت لي الأرض مسجدا وترابها طهورا » لا ريب أنّه مذكور في معرض التّسهيل والتخفيف ، وبيان امتنان اللّه سبحانه على هذه الأمّة المرحومة . وهو من قبيل قوله صلّى اللّه عليه وآله : « بعثت بالشّريعة السّهلة السّمحاء » « 1 » . وظاهر أنّه لو كان غير التّراب من أجزاء الأرض طهورا أيضا لكان ذكر التّراب لغوا صرفا ، وتوسيطه في البين مخلّا بانطباق الكلام على ما يقتضيه المقام ، وكان مقتضى الحال أن يقول صلّى اللّه عليه وآله : « جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا » فإنّه أدخل في الامتنان . وليس هذا استدلالا بمفهوم الخطاب بل بأمر آخر ، هو لزوم خروج الكلام النّبويّ عن قانون البلاغة على ذلك التّقدير ، على أنّ دلالة الخطاب إذا اعتضدت بالقرائن الحاليّة أو المقاليّة ، فلا كلام في اعتبارها . ولذلك يعزّر من قال لخصمه : أنا لست زانيا ! وبهذا يظهر أنّ كلام السّيّد قدّس اللّه روحه في أعلى مراتب السّداد . وكيف يظنّ به - وهو من أئمّة فنّ المعاني ، وممّن تعقد عليه الخناصر في علم الأصول - أنّه جعل مجرّد تسمية التّراب صعيدا دليلا على عدم تسمية الأرض به ؟ وأنّه احتجّ على هذا المطلب بدلالة الخطاب ، مع أنّه أطنب الكلام في كتبه الأصوليّة في هدم ما أسّسه القائلون بحجّيّتها بما لا مزيد عليه ، واللّه أعلم بحقائق الأمور . وما تضمّنه الحديث الرّابع من تيمّم غير المتمكّن من الصّعيد بلبد سرجه ومعرفة دابّته ،
هامش
( 1 ) . لم نعثر على نصّ هذا الحديث كما هو في المتن ، وما عثرنا عليه هكذا : « بعثت بالحنيفيّة السمحة السهلة » ، أنظر الجامع الصغير 1 : 486 ح 315 ، ومسند أحمد 5 : 266 ، بتفاوت يسير .