لبيان جوازه والإشعار بعدم وجوب الابتداء بالأعلى ، فلا يجب على الامّة .
ويخطر بالبال أنّه على تقدير ابتدائه عليه السّلام بالأعلى أيضا لا يلزم وجوبه على الامّة ، فإنّ غسل الوجه على هذا الوجه - أعني من الأعلى إلى الأسفل - من قبيل الأفعال الجبلّية « 1 » التي لا يقتضي صدورها عنه عليه السّلام وجوبها على الامّة . وكون ذلك من جملة ما قصد بالبيان ممنوع ، وقصد القربة فيه غير معلوم ، وكونه من كيفيّات بعض ما قصد بيانه ، والقربة به لا يوجب كونه كذلك ، وإلّا لوجب إمرار اليد على الوجه حال غسله كما ذهب اليه الشاذّ من أصحابنا ، فإنّه أيضا من كيفيّات بعض ما قصد بيانه والقربة به ، وقد فعله عليه السّلام كما نطق به الحديث .
وأمّا قوله عليه السّلام : « لا يقبل اللّه الصلاة إلّا به » فمعناه إلّا بمثله .
والمماثلة بين الوضوئين لا تنتفي بمجرّد الابتداء من الأسفل ، فلو بقي أقلّ ما يتحقّق معه المماثلة لكفى . والأصل براءة الذمّة من الزائد على ذلك الأقلّ ، كما لو كلّف السيّد عبده بأن يعمل مثل عمل زيد فإنّه يخرج على العهدة بأقل ما يصدق عليه المماثلة عرفا .
وظنّي أنّه لو استدلّ على هذا المطلب بأنّ المطلق ينصرف إلى الفرد الغالب الشائع المعتاد والغالب الشائع المعتاد في غسل الوجه غسله من فوق إلى أسفل ، فينصرف الأمر به في قوله تعالى :
فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ
« 2 » إليه لم يكن بعيدا .
وجريانه في إمرار اليد على الوجه مشترك بينه وبين الدليلين السابقين للأصحاب . وما هو جوابهم فهو الجواب . وستسمع في هذا الباب
هامش
( 1 ) في هامش ( م ) : إنّما كان من قبيل الأفعال الجبلّية لأنّ كلّ من غسل وجهه فإمّا يغسله من الأعلى إلى الأسفل ، فلو غسل شخص وجهه من الأسفل إلى الأعلى لسئل عن وجهه . ( منه دام ظلّه ) .
( 2 ) المائدة : 6 .