منها في العبادات بشيء من الدلالات ، بل غاية ما دلّت عليه أنّ عبادة المشركين غير صحيحة ، وأين هذا عن ذلك ؟ ! فتدبّر « 1 » .
ثمّ الآية وإن كانت حكاية عن تكليف أهل الكتابين ولا يلزمنا ما كلّفوا به في كتابيهم إلّا انّ قوله سبحانه في آخرها :
وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ
أي دين الملّة القيّمة يشعر بأنّ الأمر المذكور ثابت في شرعنا أيضا ، فلذلك استدلّ بها أصحابنا على ما استدلّوا .
بيان مراد ودفع إيراد [ في تركّب النيّة من التصوّر وقصد الفعل ]
لا بدّ في النيّة من القصد إلى إيقاع الفعل ، فمن تصوّر الفعل من دون قصد إلى إيقاعه فهو غيّرنا حقيقة ، وقد يطلق على هذا التصوّر اسم النيّة « 2 » ، كما قال الفقهاء : لو نوى المتوضّىء رفع حدث والواقع غيره فإن كان غلطا صحّ وإن كان عمدا بطل ، لأنّه في صورة الغلط قاصد إلى رفع حدث في الجملة ، وأمّا في صورة العمد فلم يحصل منه قصد إلى دفع الشيء ، وانّما تصوّر رفع غير الواقع فيبطل وضوؤه على الأصحّ ، لأنّه غيرنا في الحقيقة ، بل هو لاعب .
هامش
( 1 ) في هامش ( ع ) : وجهه أنّه يمكن أن يراد بعدم الشرك في العبادة قصد العابد بها التقرّب إلى اللّه وحده ، وهذا القصد نيّة . ولا يخفى أنّ كلام المفسّرين يحتمل ما قلناه احتمالا ظاهرا ، ومع قيام الاحتمال يسقط الاستدلال . ( منه رحمه اللّه ) .
( 2 ) الفقهاء رضوان اللّه عليهم كثيرا ما يطلقون على ما هو بصورة الشيء اسم ذلك الشيء ، كقولهم فيما إذا اختلط قتلى المسلمين بقتلى الكفّار أنّه يجب الصلاة على الجميع ويفرد المصلّي المسلمين بالنيّة ، إذ مع إفراد البعض بالنيّة لا صلاة على الكلّ في الحقيقة ، وانّما الموجود صورتها حينئذ ، وكذا قولهم بوجوب الغسل على الذمّية الحائض تحت المسلم إذا طهرت من الحيض وقلنا بتوقّف الوطىء على الغسل ، فانّ الواقع منها صورة الغسل أيضا كما قالوه . ( منه رحمه اللّه ) .