من رحيق التحقيق : حملتم قراءة الجرّ على المسح على الخفّين تارة وعلى الجوار تارة أخرى وعلى العطف على « الرؤوس » للاقتصاد في صبّ الماء أخرى ، وعدلتم عمّا هو الأظهر الأصوب الأحرى ، وهذه محامل بعيدة وتوجيهات غير سديدة .
أمّا الحمل على مسح الخفّين فبعده ظاهر ، إذ لم يجر لهما ذكر ولا دلّت عليهما قرينة ، ولبسهما في الحجاز نادر جدّا ، فكيف تعدلون بالآية عن ظاهرها وتحملوها على هذا المحمل النادر الغير المتبادر ؟ !
وأمّا الجرّ على الجوار فضعيف جدّا ، قد أنكره أكثر النحاة ، فكيف يليق الركون إليه وحمل كلام اللّه عليه ؟ !
ثمّ من جوّزه فانّما جوّزه بشرط أمن اللبس وأن لا يتوسّط حرف العطف « 1 » نحو : « جحر ضبّ خرب » والشرطان مفقودان في الآية الكريمة ، فالقول به عدول عن الطريقة القويمة والجادة المستقيمة .
وأمّا العطف على « الرؤوس » لتغسل غسلا شبيها بالمسح فهو وإن أورده صاحب الكشّاف « 2 » لكنّه ظاهر الاعتساف ، فانّ المعطوف في حكم المعطوف عليه باتّفاق النحاة ، وهل يليق من رشيد أن يقول : « أكرمت زيدا وعمرا وسخرت من خالد وبكر » بعطف « بكر » على « خالد » لا لمشاركته في السخرية ، بل للدلالة على أنّ إكرامه كان إكراما قليلا شبيها بالسخرية .
وأيضا فإذا أريد بالمسح بالنسبة إلى المعطوف عليه حقيقة وبالنسبة إلى المعطوف الغسل الشبيه بالمسح يكون استعمالا للفظ في الحقيقة والمجاز ، وهذا ممّا يلحق بالمعمّيات والألغاز .
هامش
( 1 ) إن قلت : اشتراط عدم توسط حرف العطف هو الجرّ كما قلت ولكن . . . بالجواز ممنوع . وقد صرّح الزمخشري . . . ومصابحة حوراء وعلى أعراب لأنّ المراد يتمتعون بالجواب . ( منه رحمه اللّه )
( 2 ) الكشاف : ج 1 ص 611 في تفسير الآية ( 6 ) من سورة المائدة .