تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهايه الحكمه ( العقل والعاقل والمعقول ) — صفحة 322

مساهمون:

ص٣٢٢
5 فرق السفسطائية وتحليلها ونقدها تنبيه السوفسطىُّ وهو المنكرُ لوجودِ العلمِ مطلقاً لا يسلِّمُ قضيةَ أولى الأوائل ؛ إذ لو سلّمَها كان ذلك اعترافاً منه بأنَّ كلَّ قضيتينِ متناقضتينِ فإنَّ إحداهما حقّةٌ صادقةٌ ، وفيه اعترافٌ بوجودِ علمٍ ما . ثمَّ إنَّ السوفسطىَّ بما يُظهِرُ من الشكِّ في كلِّ عقدٍ ، إما أن يعترفَ بأنه يعلمُ أنه شاكٌّ ، وإما أن لا يعترفَ . فإنَّ اعترفَ بعلمِه بشكِّه ، فقد اعترفَ بعلمٍ ما ، فيضافُ إليه تسليمه لقضيةِ أولى الأوائل ، ويتبعُه العلمُ بأنَّ كلَّ قضيّتينِ متناقضتينِ ، فإنَّ إحداهما حقّةٌ صادقةٌ ، وتعقبُ ذلك علومٌ أخرى . وإن لم يعترفْ بعلمْه بشكِّه ، بل أظهرَ أنه شاكٌّ في كلِّ شئ ، وشاكٌّ في شكِّه ، ليسَ يجزمُ بشىءٍ ، لغتْ محاجَّتُه ، ولم ينجعْ فيه برهانٌ . وهذا الإنسانُ إمّا مصابٌ بآفةٍ اختلَّ بها إدراكُه ، فليراجع الطبيبَ ، وإما معاندٌ للحقِّ يُظهرُ ما يُظهرُ ليدحضَ به الحقَّ ، فيتخلَّصَ من لوازمِه ، فليُضربْ ، وليُعذّبْ ، وليُمنع مما يحبُّه ، وليُجبَرْ على ما يُبغضُه ؛ إذ كلُّ شىءٍ ونقيضُه عندَه سواءٌ . نعم ؛ بعضُ هؤلاء المظهرينَ للشكِّ ممّن راجعَ العلومَ العقليةَ ، وهو غيرُ مسلّحٍ بالأصولِ المنطقيةِ ، ولا متدرّبٍ في صناعةِ البرهان ، فشاهدَ اختلافَ الباحثينَ في المسائل بالإثباتِ والنفىِ ، ورأَى الحججَ التي أقاموها على طَرَفَىِ النقيضِ ، ولم يقدرْ لقلَّةِ بضاعتِه على تمييزِ الحقِّ منَ الباطلِ ، فتسلّمَ طَرَفَى [ طريق ] النقيضِ في المسألةِ بعدَ المسألةِ ، فأساءَ الظنَّ بالمنطقِ ، وزعمَ أن لا طريقَ إلى إصابةِ الواقعِ يُؤمَنُ معَهُ الخطأُ في الفكرِ ، ولا سبيلَ إلى العلم بشىءٍ على ما هو عليه . وهذا كما ترى ، قضاءٌ بتّىٌّ منه بأمورٍ كثيرةٍ ، كتباينِ أفكارِ الباحثينَ