يواجه مشكلة غير قابلة للحلّ وفقاً لجهاز أرسطو المفاهيمى في تحصيل اليقين ، فكيف يمكن استنتاج نتيجة كلية من خلال مشاهدة مجموعة من الجزئيات ؟ ومشكلة التعميم هذه دعت المدارس الغربية إلى طرح الحلول والتفسيرات ، من غير أن يكتب لها النجاح ، ومن غير أن تجيب على مهم الإشكالات التي تقف أمامها .
إنّ المشكلة التي يعاني منها الدليل الاستقرائى هي في القفزة من الخاصّ إلى العامّ ؛ لأنّ النتيجة فيه أكبر من مقدّماتها ، وليست مستبطنة فيها . فهو يقرّر في المقدّمات أنّ كميّة محدودة من قطع الحديد لوحظ تمدّدها بالحرارة ، ويخرج من ذلك بنتيجة عامّة ، هي : أنّ كلّ حديد يتمدّد بالحرارة . وهذا الانتقال من
الخاصّ إلى العامّ لا يمكن تبريره على أساس مبدأ عدم التناقض ، كما هو الحال في الدليل الاستنباطى ؛ لأنّ افتراض صدق المقدّمات وكذب النتيجة لا يستبطن تناقضاً ، فبالإمكان أن نفترض أنّ تلك الكميّة المحدودة من القطع الحديديّة قد تمدّدت بالحرارة فعلًا ، ونفترض في نفس الوقت أنّ التعميم الاستقرائى القائل : إنّ الحديد يتمدّد بالحرارة ، خطأ ، دون أن نقع في تناقض منطقي ؛ لأنّ هذا التعميم غير مستبطن في الافتراض الأوّل .
وهكذا نعرف أنّ منهج الاستدلال في الدليل الاستنباطى منطقىّ ، ويستمدّ مبرّره من مبدأ عدم التناقض . وخلافاً لذلك منهج الاستدلال في الدليل الاستقرائى ، فإنّه لا يكفى لتبريره منطقياً مبدأ عدم التناقض ، ولا يمكن على أساس هذا المبدأ تفسير القفزة التي يصطنعها الدليل الاستقرائى في سيره من الخاصّ إلى العامّ ، وما تؤدّى إليه من ثغرة في تكوينه المنطقي « 1 » .
هامش
( 1 ) الأسس المنطقية للاستقراء ، دراسة جديدة للاستقراء تستهدف اكتشاف الأساس المنطقىّ المشترك للعلوم الطّبيعيّة والإيمان بالله تعالى ، محمد باقر الصدر ، دار التعارف للمطبوعات ، بيروت لبنان ، ط 5 ، 1406 ه ق 1986 م : ص 67 .