وقبل أن نبدأ بذكر توجيه صدر المتألهين ينبغي الالتفات إلى أن ظاهر كلمات المناطقة بأن التصور الذي يعدّ شرطاً أو شطراً من التصديق هو التصور القسيم لا المقسم ، من هنا حاول صدر المتألهين توجيه كلماتهم ببيان : أن الاعتبارات التصورية الثلاثة التي تقدّم الحديث عنها هي واحدة حقيقة ، لكنها مختلفة اعتباراً ، وعليه فإن ما هو شطر أو شرط للتصديق ليس إلا المقسم ، والقسيم الذي جُعل في بعض الكلمات شطراً أو شرطاً له ، لا يختلف عن المقسم إلا بالاعتبار . وهذا التوجيه ناشئ من رؤيته التي تذهب إلى بساطة مفهوم التصديق ، والذي ببساطته لا يحتاج إلى جزء ، وبهذا يخالف نظرية التركيب من الجزئين أو الأكثر ، ولا يحتاج إلى الشرط ، وبهذا يبتعد عن مشهور الحكماء القائلين بالاشتراط .
فالتصديق أمر بسيط ليس للتصور شطرية أو شرطية فيه ؛ لأن مفهوم العلم المنقسم إلى تصور وإلى تصديق من المعقولات الثانية المنطقية ، والتي هي بسائط ، لكن هذا البسيط يحلّل في إحدى المراحل الذهنية إلى جزء مشترك ( بمنزلة الجنس ) وجزء مختص ( بمنزلة الفصل ) ، كما هو الحال في اللون الأبيض البسيط خارجاً ، لكن الذهن يحلّله إلى مفرّق للبصر ، وإلى لون .
وفى ضوء ما تقدّم من مقدمات قسّم صدر المتألهين العلم إلى قسمين :
تصور ليس بحكم ( التصور الاصطلاحي ) وتصور بعينه حكم ، أو مستلزم للحكم ، بمعناه النفساني ( التصديق ) ، ومن هنا وجّه كلمات القائلين بتركّب التصديق بأن مقصودهم من التركيب ، التركيب التحليلي الذهني فقط ، كما أن مقصود الحكماء القائلين بمعيّة التصور للتصديق أو للحكم ليس بمعنى استقلالية كل واحد من هذين الوجودين عن الآخر ، فوصف الإنسان بالحيوان الناطق مثلًا لا يعنى أن لكل من الحيوان والناطق وجوداً مستقلًا عن
شرح نهايه الحكمه ( العقل والعاقل والمعقول ) — صفحة 289
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٢٨٩